مع تفاقم المجاعة في قطاع غزة واستمرار حرب الإبادة الإسرائيلية للأسبوع الحادي والعشرين، انفجرت موجة تضامنية واسعة حول العالم، تجسّدت في إضرابات عن الطعام ومسيرات ضخمة وفعاليات احتجاجية في عواصم ومدن عالمية، تنديدًا بسياسة التجويع الممنهج التي تنتهجها إسرائيل، وسط صمت رسمي عربي ودولي وصفه كثيرون بالمخزي.

فقد أعلن نشطاء من مختلف أنحاء العالم انخراطهم في إضرابات رمزية تضامنية، كتعبير أخلاقي وإنساني ضد ما وصفوه بجريمة العصر التي تطال أكثر من مليوني فلسطيني محاصرين بالموت جوعًا وقصفًا.

الناشط المصري محمود هدهود أعلن عبر حسابه على فيسبوك دخوله في إضراب جزئي عن الطعام، مؤكدًا أنه سيكتفي بنصف احتياجاته اليومية من السعرات الحرارية حتى تنتهي المجاعة في غزة، وداعيًا الآخرين للاقتداء به.

هذه المبادرات الفردية تعكس انتقالًا نوعيًا في خطاب التضامن، من مجرد التنديد إلى أشكال نضالية مباشرة، تسعى للضغط الأخلاقي والسياسي على الحكومات الغربية والعربية على حد سواء، التي تكتفي بالصمت أو التواطؤ.

 

ميادين الغضب من عمان إلى لندن

امتدت مشاهد الغضب من شوارع العاصمة الأردنية عمان إلى قلب لندن وستوكهولم ومدن ألمانية ودنماركية، حيث اجتاحت التظاهرات ميادين وساحات رئيسية، رافعةً الأعلام الفلسطينية والشعارات المناهضة للتجويع والإبادة. في عمان، شهد حي الطفايلة وحي المحاسرة استعدادات لمسيرة شعبية واسعة تحت شعار “لا تكن خصمًا”، إلا أن السلطات الأمنية سارعت إلى إغلاق المداخل والمخارج لمنع انطلاقها. هذه الإجراءات، رغم قسوتها، لم تمنع الصوت الشعبي من المطالبة بطرد السفير الإسرائيلي وإلغاء اتفاقية الغاز مع الاحتلال، وهي مطالب تعكس تحولا واضحا في المزاج الشعبي الأردني تجاه معاهدة وادي عربة ومخرجاتها.

في اليمن، خرجت مسيرات ضخمة تندد بالتجويع والعدوان على غزة، في مشهد يؤكد أن القضية الفلسطينية لا تزال حيّة في الوجدان الشعبي العربي رغم التآكل الرسمي. المتظاهرون أكدوا أن الحصار والمجاعة في غزة جريمة ضد الإنسانية، مطالبين المجتمع الدولي بالتدخل العاجل. أما في أوروبا، فقد تحولت لندن السبت إلى مركز لتضامن عالمي غير مسبوق مع غزة، بمسيرة دعت إليها مؤسسات بريطانية مناهضة للحرب والتمييز، يتقدمها “المنتدى الفلسطيني في بريطانيا”، في واحدة من أكبر مظاهرات التضامن مع فلسطين منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023.

وفي ستوكهولم، احتشد الآلاف في ساحة أودن بلان، وساروا نحو البرلمان السويدي حاملين لافتات تصف إسرائيل بـ”قاتلة الأطفال” وتندد بالصمت الأوروبي. وخرجت مظاهرات مشابهة في مدن ألمانية ودنماركية وسويدية، رفعت فيها شعارات “لا لحرب الإبادة” و”أوقفوا التجويع في غزة”، في مشهد يعكس اتساع رقعة الرفض العالمي للجرائم الإسرائيلية.

دعوات حماس وإدانة الجريمة الدولية

في بيان مؤثر، دعت حركة المقاومة الإسلامية حماس الأمة العربية والإسلامية، وأحرار العالم، إلى إطلاق حراك عالمي واسع تحت شعار “لا للتجويع، لا للإبادة”، مطالبة بتنظيم مسيرات جماهيرية حاشدة، وإطلاق فعاليات تضامنية، ورفع الصوت السياسي والعمالي والطلابي والدبلوماسي، لإدانة جرائم الاحتلال وكسر حالة الصمت المريب. وأكدت أن يوم الأحد وما بعده يجب أن يتحول إلى “صرخة غضب عارمة” في وجه الاحتلال ومشاريعه التهجيرية، داعية لتحويل كل مدينة في العالم إلى منبر صمود لغزة.

هذه الدعوة تأتي في وقت كشفت فيه وزارة الصحة في غزة عن ارتفاع صادم في أعداد ضحايا المجاعة، مع وفاة 69 طفلًا بسبب سوء التغذية، وارتفاع عدد الشهداء نتيجة نقص الغذاء والدواء إلى 620، في ظل استمرار إغلاق المعابر منذ أكثر من أربعة أشهر. ويُعدّ هذا الواقع المأساوي مخالفة صريحة لاتفاقيات جنيف، ويُعرّف قانونيًا على أنه استخدام التجويع كسلاح حرب، وهي جريمة حرب بحسب القانون الدولي.

وعلى الرغم من صدور أوامر من محكمة العدل الدولية تطالب إسرائيل بوقف حرب الإبادة، إلا أن تل أبيب تواصل حربها بدعم أمريكي سياسي وعسكري، غير عابئة بنداءات المنظمات الدولية ولا الاحتجاجات الأممية. وقد أسفرت الحرب عن استشهاد أكثر من 198 ألف فلسطيني بين قتيل وجريح، أغلبهم من النساء والأطفال، مع وجود أكثر من 9 آلاف مفقود، ومجاعة متفاقمة تهدد حياة ما تبقى من المدنيين.

وسط هذه الكارثة، يبدو أن الشارع العالمي بدأ ينهض من سباته، معلنًا رفضه لاستخدام الجوع كسلاح. وإذا تواصلت هذه الانتفاضة العالمية، فقد يكون لها أثر ملموس في إعادة توجيه بوصلة السياسات الدولية، وفضح نفاق الديمقراطيات الغربية التي تتشدق بحقوق الإنسان بينما تدعم دولة ترتكب جرائم إبادة وتجويع ممنهج.

خاتمة: صرخة الشعوب تكسر جدار الصمت

ما تشهده الساحات من تضامن عالمي هو بداية لانتفاضة أخلاقية في وجه الجريمة. إنه إعلان بأن الشعوب لا تزال قادرة على أن تقول كلمتها، وأن غزة ليست وحدها. فبينما يُقتل الفلسطينيون جوعًا، ترتفع في العالم أصوات حرة تؤمن أن الصمت تواطؤ، وأن التضامن ليس خيارًا بل واجب إنساني لا يقبل التأجيل.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يُصعّد في الضفة: اعتقالات بالجملة واقتحامات مسلحة وجرائم دون رادع