في خطوة تحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن، رشاد العليمي، تعيين عضوين جديدين في المجلس لملء مقعدي عيدروس الزبيدي وفرج البحسني، رئيس ونائب ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، بعد إسقاط عضويتهما رسميًا خلال الشهر الجاري.
القرار مثّل لحظة فاصلة في مسار الصراع داخل معسكر الشرعية، وقراءة سياسية واضحة على تراجع نفوذ المشروع الإماراتي الانفصالي في جنوب اليمن، مقابل صعود خطاب استعادة الدولة ووحدة القرار السيادي.

تعيينات جديدة ورسائل سياسية
وبحسب ما نقلته وكالة “سبأ” الحكومية، قضى القرار الرئاسي بتعيين الفريق الركن محمود أحمد سالم الصبيحي، وزير الدفاع اليمني الأسبق، والدكتور سالم أحمد سعيد الخنبشي، عمدة محافظة حضرموت الحالي، عضوين في مجلس القيادة الرئاسي.
وجاء القرار استنادًا إلى ثبوت شغور مقعد الزبيدي بعد إحالته للنائب العام بتهمة “الخيانة العظمى” وفق قرار المجلس رقم (1) لسنة 2026، وشغور مقعد البحسني بسبب “العجز الصحي الدائم” و”الإخلال بالواجبات الدستورية”، وفق قرار المجلس رقم (3) لسنة 2026.
هذه التعيينات لا تبدو إجرائية فحسب، بل تحمل رسالة سياسية مباشرة مفادها أن مرحلة الشراكة القسرية مع قوى انفصالية مرتبطة بالخارج باتت عبئًا على مؤسسة الرئاسة، وأن المجلس يتجه – ولو تدريجيًا – نحو إعادة ضبط بنيته الداخلية على أسس أقرب لمنطق الدولة.
سقوط الزبيدي.. من الشراكة إلى الاتهام بالخيانة
إسقاط عضوية عيدروس الزبيدي جاء بعد تطورات وُصفت بالخطيرة، أبرزها الإعلان عن هروبه بحرًا إلى إقليم أرض الصومال، قبل نقله جوًا إلى أبوظبي على متن طائرة عسكرية إماراتية، وفق ما أعلنه متحدث باسم تحالف دعم الشرعية.
هذا المشهد أعاد إلى الواجهة طبيعة العلاقة بين الزبيدي وأبوظبي، والدور الذي لعبته الإمارات في حماية قيادات المجلس الانتقالي واستخدامهم كورقة نفوذ داخل اليمن، حتى عندما باتوا في مواجهة مباشرة مع مؤسسات الدولة نفسها.
إقصاء البحسني.. الغياب والتعطيل
أما فرج البحسني، المقيم في الإمارات، فقد جرى إسقاط عضويته بذريعة “إخلاله بمبدأ المسؤولية الجماعية” و”عجزه الصحي”، إضافة إلى تعطيله أعمال المجلس والانقطاع عن التواصل المؤسسي خلال فترات وُصفت بالحرجة.
ورغم الغطاء القانوني للقرار، إلا أن خلفيته السياسية تعكس نفاد صبر قيادة المجلس من شخصيات ارتبطت عمليًا بالمشروع الإماراتي، وبدا أنها تعمل خارج منطق الدولة، أو على الأقل خارج التزامات العمل الجماعي داخل المجلس الرئاسي.
النيابة العامة تفتح ملف الاتهامات الثقيلة
تزامن القرار مع إعلان النائب العام اليمني القاضي قاهر مصطفى تشكيل لجنة قضائية للتحقيق في الوقائع المنسوبة إلى الزبيدي، وتشمل اتهامات من العيار الثقيل، أبرزها “الخيانة العظمى بقصد المساس باستقلال الجمهورية”، وتشكيل عصابة مسلحة، وارتكاب جرائم قتل بحق ضباط وجنود القوات المسلحة، وتقويض مؤسسات الدولة، إضافة إلى انتهاكات جسيمة بحق المدنيين وتخريب منشآت عسكرية وخرق الدستور والقوانين.
ومنحت اللجنة صلاحيات واسعة تشمل الاستدعاء والضبط والإحضار وتعزيز الأدلة ورفع تقارير دورية، في مؤشر – نظريًا – على جدية المسار القضائي، مقارنة بمراحل سابقة طغت عليها التسويات السياسية.
الميدان يسبق السياسة
لا يمكن فصل هذه التطورات السياسية عن التحولات الميدانية الأخيرة. فمطلع يناير الجاري، تمكنت قوات مشتركة من “درع الوطن” و”الطوارئ” من السيطرة على محافظتي حضرموت و**المهرة**، بعد عملية عسكرية بإسناد جوي من مقاتلات السعودية، استهدفت القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا.
هذا التقدم الميداني كسر الذراع العسكرية للمشروع الانفصالي في شرق البلاد، ووفّر غطاءً سياسيًا قويًا لقرارات الإقصاء داخل مجلس القيادة الرئاسي.
ما بعد حلفاء أبوظبي
في المحصلة، يعكس تعيين عضوين جديدين بدلًا عن حليفي أبوظبي تحوّلًا مهمًا في ميزان القوى داخل معسكر الشرعية، ورسالة واضحة بأن زمن الميليشيات الانفصالية كأدوات نفوذ إقليمي يمرّ بمرحلة أفول.
وإذا ما استُكملت هذه الخطوات بإصلاحات مؤسسية ومسار قضائي جاد، فقد تشكّل بداية مسار جديد يستعيد فيه اليمن جزءًا من قراره الوطني، بعد سنوات من الارتهان للميليشيات والتدخلات الخارجية.
اقرأ أيضا : قمع قيس سعيّد يوحّد العائلات السياسية: إعلان تأسيس التنسيقية الوطنية لإطلاق سراح المعتقلين بتونس