في تطور لافت يحمل أبعادًا سياسية وأمنية عميقة، أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية، ، إنهاء مهمة “ما تبقى من فرق مكافحة الإرهاب في اليمن” بقرار قالت إنه جاء “بمحض إرادتها وبالتنسيق مع الشركاء”. 

بيانٌ بدا في ظاهره تقنيًا، لكنه في جوهره يعكس تحوّلًا اضطراريًا في سياسة أبوظبي بعد سنوات من التدخل العسكري المباشر، ودور محوري في تمزيق الجغرافيا اليمنية، ودعم ميليشيات انفصالية على حساب وحدة الدولة.

اللافت في البيان الصادر عن وزارة الدفاع الإماراتية هو لغته الموارِبة، التي تجنبت الإشارة إلى الضغوط السياسية والعسكرية المتصاعدة داخل اليمن، أو إلى مطالبات رسمية بخروج القوات الإماراتية، واكتفت بالحديث عن “تقييم متطلبات المرحلة” و”دعم استقرار المنطقة”، وهي عبارات اعتادت أبوظبي استخدامها لتغطية انسحابات تكتيكية أو إعادة انتشار قسري.

طلب يمني صريح… ورسالة سياسية قاسية

إعلان أبوظبي جاء بعد ساعات فقط من مطالبة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي جميع الميليشيات الإماراتية بمغادرة الأراضي اليمنية خلال 24 ساعة، في خطوة غير مسبوقة تعكس حجم التوتر بين السلطة اليمنية المعترف بها دوليًا وبين الشريك الذي طالما تصرّف كقوة احتلال بحكم الأمر الواقع، خاصة في المحافظات الشرقية والجنوبية.

هذه المطالبة لم تكن معزولة، بل ترافقت مع قصف جوي نفّذه تحالف دعم الشرعية استهدف أسلحة وعربات قتالية وصلت إلى ميناء المكلا على متن سفينتين، في مؤشر واضح على أن الصراع لم يعد محصورًا مع جماعة الحوثي، بل بات يشمل صراع نفوذ داخل “المعسكر الواحد” الذي تقوده السعودية والإمارات اسميًا.

“مكافحة الإرهاب”… غطاء لتمكين الميليشيات

منذ دخولها الحرب على اليمن عام 2015، روّجت الإمارات لتدخلها تحت عنوان “مكافحة الإرهاب”، لكن الوقائع على الأرض كشفت أن هذا الشعار لم يكن سوى غطاء لتمكين ميليشيات محلية موالية لها، وعلى رأسها ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يطالب بانفصال جنوب اليمن، ويمثل أداة إماراتية صريحة لتفكيك الدولة.

ميليشيا الانتقالي، التي ينبغي توصيفها بوضوح كـ”ميليشيا مسلحة”، نفّذت في أوائل ديسمبر تحركات عسكرية مفاجئة، أعلنت خلالها السيطرة على حضرموت والمهرة، في تحدٍ سافر للسلطة الشرعية، ورفضت لاحقًا دعوات محلية وإقليمية للانسحاب. هذه التحركات لم تكن لتحدث دون ضوء أخضر إماراتي، ودعم لوجستي وعسكري مباشر.

السعودية والإمارات… شريكان في تمزيق اليمن

رغم محاولات الرياض الظهور بمظهر “الوسيط” أو “المنقذ”، فإن الواقع يؤكد أن السعودية والإمارات شريكان كاملان في تفكيك اليمن. فـتحالف دعم الشرعية في اليمن لم ينجح خلال سنوات الحرب إلا في تدمير البنية التحتية، وإغراق البلاد في أسوأ أزمة إنسانية في العالم، بينما غضّ الطرف عن مشروع الانفصال الذي رعته أبوظبي.

إعلان التحالف، التحرك عسكريًا ضد “انتهاكات” الانتقالي في حضرموت، يكشف حجم التناقض داخل هذا التحالف نفسه، حيث باتت الميليشيات التي صُنعت ودُعمت بالسلاح والمال تشكل تهديدًا مباشرًا لما تبقى من الدولة اليمنية.

انسحاب تكتيكي لا يُسقط المسؤولية

محاولة الإمارات تقديم انسحابها على أنه قرار سيادي “منسق” لا تعفيها من المسؤولية القانونية والسياسية عن سنوات من الفوضى، وبناء السجون السرية، ونهب الموانئ، ودعم مشاريع التقسيم. كما أن هذا الانسحاب لا يبدو نهاية للتدخل، بقدر ما هو إعادة تموضع عبر وكلاء محليين، وفي مقدمتهم ميليشيا الانتقالي الجنوبي.

أما السعودية، التي قادت الحرب منذ يومها الأول، فلا تزال تتحمل المسؤولية الأكبر عن إطالة أمد الصراع، وتحويل اليمن إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، دون أي أفق حقيقي للحل السياسي.

خلاصة المشهد

ما جرى ليس “إنهاء مهمة”، بل اعتراف ضمني بفشل مشروع إماراتي–سعودي في اليمن. فالدولة التي زُعم دعمها تم تفكيكها، والوحدة التي قيل الدفاع عنها جرى تقويضها، والاستقرار الذي وُعد به اليمنيون لم يكن سوى وهم. وبين انسحاب مُلتبس، وصراع نفوذ مكشوف، يبقى اليمن الضحية الكبرى لتحالف مزّق البلاد، وتركها على حافة الانقسام الدائم.

اقرأ أيضا : الكنيست يشرعن الحصار: قطع المياه والكهرباء عن الأونروا كأداة حرب جماعية