في تحول لافت طال انتظاره، شهدت سوريا، مساء الأثنين، لحظة تاريخية بإطلاق البث التجريبي لأول قناة تلفزيونية رسمية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، في مشهد اعتبره كثيرون رمزا لانتهاء عقود من القمع الإعلامي والدعاية السياسية التي كانت سمة بارزة للنظام. 

قناة “الإخبارية السورية” أطلقت بثها من قلب العاصمة دمشق، في تمام الساعة الخامسة مساء بالتوقيت المحلي، لتكون أول منصة رسمية ناطقة باسم السلطة الانتقالية الجديدة.

الحدث الذي جاء بعد أسابيع من السيطرة الكاملة للفصائل المسلحة بقيادة “هيئة تحرير الشام” على العاصمة دمشق، وتفكيك أجهزة النظام السابق، شكّل نقطة تحول ليس فقط في المشهد الإعلامي السوري، بل أيضا في شكل العلاقة بين الدولة والمواطن، وسط تساؤلات كبيرة: هل فعلا بدأ عهد جديد لحرية الصحافة؟ أم أن المشهد ما زال محكوما بتوازنات انتقالية قد تعيد إنتاج الماضي بصورة مختلفة؟

عودة الصوت الرسمي من “تحت الصفر”

ظهر المدير العام للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، علاء بارسيلو، في أولى لحظات البث، ليعلن بفخر بداية العمل من “تحت الصفر”، مشيرا إلى أن التأخير في إطلاق القناة لم يكن ناتجا فقط عن اعتبارات فنية، بل بفعل العقوبات المتراكمة على المؤسسات الإعلامية الرسمية التي عانت من تآكل بنيتها التحتية وتعطيل إمكانياتها التقنية بفعل سنوات الحرب والعزلة الدولية.

وبحسب بارسيلو، فإن القناة ستكون “قريبة من هموم الناس” و”وسيطا بين الدولة والمجتمع”، في إشارة إلى تبني نهج إعلامي جديد أقرب إلى الخدمة العامة منه إلى الدعاية السياسية، وهو ما أكده أيضا مدير القناة جميل سرور بقوله: “حرصنا على أن تكون الإخبارية تليق بسوريا الجديدة”.

القناة بدأت بهوية بصرية حديثة، تخلت عن رموز وشعارات النظام السابق، وركزت في أول بثها على مشاهد عامة للعاصمة، وساحة الأمويين التي احتضنت على مدى عقود البث الرئيسي لوسائل إعلام البعث، إلى جانب مشاهد حية لمراسلي القناة المنتشرين في المحافظات، في محاولة لبناء صورة إعلامية جديدة أكثر مهنية وشمولا.

سقوط إعلام الأسد وظهور إعلام المرحلة الانتقالية

منذ لحظة سقوط النظام في 8 ديسمبر 2024، إثر السيطرة الكاملة لفصائل المعارضة على دمشق، انهارت المنظومة الإعلامية الرسمية بسرعة، بدءا من وكالة “سانا” التي توقفت عن النشر لأكثر من يوم كامل، وانتهاء بالقنوات والإذاعات التابعة للنظام التي ظلت تكتفي ببث مقاطع أرشيفية حتى لحظة انقطاع الإرسال بشكل نهائي.

وبالتزامن، وضعت السلطة الجديدة يدها على وسائل إعلام خاصة كانت تدور في فلك النظام مثل صحيفة “الوطن” وإذاعة “شام أف إم”، وشرعت في إعادة هيكلتها بما يتماشى مع المرحلة الانتقالية. 

كما شهدت الساحة الإعلامية السورية عودة وسائل إعلام معارضة كانت تعمل من الخارج أو من مناطق المعارضة، لتجد لنفسها موطئ قدم في الداخل السوري لأول مرة منذ سنوات.

لكن رغم هذا الانفتاح الظاهري، يحذر مراقبون من أن المشهد الإعلامي ما يزال في طور التشكل، وأن قدرة الإعلام الجديد على التعبير بحرية قد تظل محدودة في ظل حالة عدم الاستقرار السياسي، وتعدد مراكز القوى، إضافة إلى التحديات الاقتصادية والرقابة الاجتماعية.

حرية هشة في بلد عاش عقوداً من القمع الإعلامي

لسنوات طويلة، حوّل نظام الأسد الإعلام السوري إلى أداة لخدمة بقائه، فتمت ملاحقة الصحفيين، وجرى تكميم الأصوات، ومنع دخول الإعلام الأجنبي إلا في أضيق الحدود.

أما الصحافة المستقلة فكانت شبه معدومة، مع سيطرة حزب البعث على مفاصل الحياة العامة، وتغلغل الأجهزة الأمنية في كل مؤسسات الدولة، بما فيها الإعلام.

وبحسب تقرير “مراسلون بلا حدود” لعام 2025، تحتل سوريا المرتبة 177 من أصل 188 دولة في حرية الصحافة، وهي مرتبة تعكس واقعاً شديد القتامة.

ومع سقوط النظام، علّقت المنظمة بالقول إن سوريا خرجت من “نفق مظلم امتد لخمسين عاماً”، لكنها نبهت في الوقت نفسه إلى أن “الحرية لا تزال هشة”، في ظل غياب مؤسسات مستقلة تحمي الصحفيين.

ومن أبرز المؤشرات الإيجابية، بدء توافد صحفيين دوليين إلى سوريا، بعد سنوات من الحظر، ما يشير إلى رغبة في الانفتاح، لكن هذا لا يخفي أيضا القلق من احتمالات ارتداد القوى المسيطرة على الإعلام إلى أساليب الرقابة إذا واجهت تحديات أمنية أو سياسية مفاجئة.

هل يتحقق الحلم أم يُستنسخ القمع؟

رغم الزخم الكبير الذي رافق انطلاق القناة الجديدة، ورغم خطابها الذي بدا متحررا من قيود الماضي، لا تزال الأسئلة معلقة: هل سيسمح للفريق الإعلامي بتناول قضايا الفساد في المرحلة الانتقالية؟ هل سيستطيع نقل شكاوى المواطنين من سوء الخدمات؟ وهل ستكون هذه القناة بوابة لحرية الإعلام فعلا أم مجرد أداة لتلميع السلطة الجديدة؟

المؤشرات الأولى توحي بانفراجة، لكنها تبقى بحاجة إلى اختبارات متتالية تثبت صدق النوايا. فالإعلام الحر لا يولد فقط بقرار سياسي أو بظهور قناة جديدة، بل يتطلب بيئة تشريعية تضمن استقلاله، ومجتمعا يقف إلى جانبه، وإرادة سياسية لا تخشى النقد.

وحتى ذلك الحين، يبقى السؤال: هل بدأت سوريا فعلا عصر الحرية؟ أم أن “الإخبارية السورية” ستكون بداية فصل جديد من نفس الرواية القديمة ولكن بوجوه جديدة؟ الأيام وحدها ستجيب.

اقرأ أيضًا : هنا بدأ كل شيء.. كيف يهندس النظام الإماراتي خطط تقسيم سوريا