يشهد الكيان الإسرائيلي هذه الأيام واحدة من أخطر الأزمات الداخلية التي تعصف بتماسكه بين الدين والدولة، بعدما فجّر مشروع قانون التجنيد الجديد عاصفة غير مسبوقة من الانقسامات، ليس فقط بين الأحزاب، بل بين كبار المرجعيات الحاخامية أنفسهم، مما دفع البعض إلى المطالبة بحل الكنيست.

 الحاخامات ضد البرلمان: بداية تصدّع خطير

في مشهد لافت يعكس حجم التوتر داخل البيت الديني اليهودي، عقد مجلس علماء التوراة في حزب “أغودات إسرائيل” اجتماعًا طارئًا في موشاف أورا، وخرج بدعوة صادمة: حل الكنيست فورًا.

هذا الاجتماع جمع كبار حاخامات التيارات الحريدية من “غور” و”فيزنيتس” و”بيالا” و”بويان”، في تعبير واضح عن حجم الرفض الديني للقانون الذي ينص على إلزام طلاب المعاهد الدينية بالخدمة العسكرية وفرض عقوبات على المتخلفين.

هذه الدعوة لحل البرلمان، وإن كانت سابقة في السياق الديني، تعكس قناعة راسخة لدى هؤلاء الحاخامات أن الدولة باتت تتجه نحو كسر “العقد غير المكتوب” الذي يحمي الإعفاءات الدينية منذ قيام الكيان عام 1948.

 الصدام يتجاوز السياسة: شتائم وتكفير وتخوين

الصراع تصاعد على نحو غير مسبوق، ليأخذ منحى شخصيًا ودينياً خطيرًا:

  • الحاخام إسحاق يوسف، الحاخام الأكبر السابق، هاجم رئيس لجنة الأمن والدفاع يولي إدلشتاين بأوصاف لاذعة: “روحه مقزّزة… من المؤسف أنه جاء إلى الأرض”، متهمًا اليمين بالخداع والشر.

  • في المقابل، ردّ الحاخام ديفيد ستاف، رئيس منظمة “تسوهار”، باتهام إسحاق يوسف بـ”إيذاء الجنود والمجتمع، وتزييف الدين”.

لم يعد الأمر مجرد خلاف سياسي حول قانون، بل تحوّل إلى نزاع على تفسير “الشريعة اليهودية نفسها”، ودور الدين في دولة الاحتلال، ما يُنذر بانفجار اجتماعي داخلي في عمق المجتمع الإسرائيلي.

 قانون التجنيد: فتيل الأزمة

القانون الذي يشعل هذه الأزمة يفرض:

  1. أهداف تجنيد ملزمة على الطلاب الدينيين.

  2. عقوبات شخصية ومالية ضد المعاهد التي تتهرب من إرسال طلابها للجيش.

  3. إعادة توزيع “عادل” للأعباء الوطنية حسب تعبير الحكومة.

لكن من منظور التيارات الدينية، فإن القانون اعتداء صارخ على “هوية اليهودية الحريدية”، وتهديد لسلطة الحاخامات، بل وتجريد للتوراة من مكانتها التشريعية.

 انعكاسات سياسية وديموغرافية خطيرة

التيار الديني المتشدد يمثل رقمًا صعبًا في الائتلافات الحكومية، وغالبًا ما يكون بيضة القبان لأي حكومة يمينية، وعلى رأسها حكومة نتنياهو الحالية. أي تصدّع في العلاقة مع هؤلاء الحاخامات قد يؤدي إلى سقوط الحكومة أو تفككها.

الأخطر من ذلك أن هذا الانقسام يكشف هشاشة ما يُعرف بـ”التوازن الديني–العلماني” في إسرائيل، ويهدد بإعادة إشعال أزمات الهوية، والمساواة في الحقوق والواجبات، وشكل الدولة الحديثة مقابل الدولة الدينية.

 هل يتفكك التحالف الحاكم؟

مع اشتداد الخلاف، تبدو الحكومة أمام خيارين أحلاهما مر:

  • إما الاستجابة لمطالب الحاخامات والتراجع عن القانون، ما يُغضب الشارع العلماني والعسكري.

  • أو المضي في تطبيق القانون، وبالتالي فتح مواجهة مفتوحة مع أقوى المؤسسات الدينية التي تمسك بمفاصل دعم نتنياهو منذ سنوات.

ما يحدث اليوم هو أكثر من مجرد جدل قانوني حول التجنيد، إنه اختبار وجودي لـ”دولة يهودية حديثة” تحاول أن توازن بين مؤسسات مدنية ومجتمع ديني مغلق يرفض الانصهار في الدولة.

فهل ينجو الكيان من هذا الصدع؟ أم أن أزمة التجنيد ستكون الشرارة لتفكك داخلي سياسي–ديني غير مسبوق؟

اقرأ أيضا: كبير دبلوماسيي فرنسا السابق: إسرائيل تسير نحو العزلة الأخلاقية والتطهير العرقي