في تصريح يُعد من أقوى المواقف الأوروبية الرسمية ضد الاحتلال منذ بداية عدوانه على غزة، حذّر جان إيف لودريان، وزير الخارجية الفرنسي الأسبق والمبعوث الشخصي للرئيس إيمانويل ماكرون إلى لبنان، من أن “إسرائيل على حافة التحول إلى دولة منبوذة” بسبب ما وصفه بـ”الانهيار الأخلاقي العميق” نتيجة الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين.

هذه التصريحات، التي جاءت خلال مقابلة مع إذاعة فرانس إنتر، تؤشر إلى تحول لافت في الخطاب الدبلوماسي الفرنسي، وتكشف حجم القلق المتنامي داخل الأوساط السياسية الأوروبية من السياسات التي يتبعها رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو.

 تجويع وغارات في العيد.. والغرب يرى ما يحدث

تزامن حديث لودريان مع استشهاد 35 فلسطينياً في أول أيام عيد الأضحى، بقصف استهدف خيام النازحين ومراكز الإيواء، في استمرار لسياسة “الموت البطيء” التي تنتهجها إسرائيل عبر الحصار والتجويع.

وأكد لودريان أن الاحتلال “يستخدم التجويع سلاحًا عسكريًا”، مشيرًا إلى أن نتنياهو لا يسمح بدخول سوى كميات محدودة من المساعدات عبر مؤسسة “GHF”، المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد حصار خانق استمر أكثر من شهرين.

هذا الاعتراف من مسؤول دبلوماسي كبير يُعد توثيقًا مباشرًا لتجريم الاحتلال باستخدام أساليب إبادة غير مباشرة، ويتقاطع مع التقارير الأممية الأخيرة حول تفشي المجاعة في قطاع غزة، وحرمان المدنيين من الماء والدواء.

 من الديمقراطية إلى الفاشية: انهيار “الصورة الإسرائيلية”

لودريان، الذي يعد من أبرز الشخصيات المؤثرة في السياسة الخارجية الفرنسية، اعتبر أن إسرائيل، التي كانت تُقدّم نفسها كنموذج ديمقراطي في الشرق الأوسط، باتت تفقد تدريجيًا شرعيتها الأخلاقية والدولية.

وقال بوضوح:

“إسرائيل لم تعد تمثل القيم التي نشأت عليها، بل تسير نحو العزلة والانغلاق، بسبب سياسات حكومتها التي تجاوزت كل ما هو مقبول.”

ولم يكتف بالتنديد، بل أشار إلى أن “الخلط بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية” أصبح سلاحًا رخيصًا لتكميم الأصوات، وأن اتهام الرئيس ماكرون نفسه بـ”دعم حماس” لمجرد مطالبته بفتح الممرات الإنسانية، هو سلوك مرفوض.

 “نحو تطهير عرقي”… المصطلح الذي تجنبه الجميع، قاله لودريان

رغم تحفظه القانوني على استخدام تعبير “الإبادة الجماعية”، لم يتردد لودريان في القول:

“نحن نسير نحو تطهير عرقي.”
وهو تعبير شديد الخطورة، يفتح الباب أمام توصيف جديد قد يُحرج فرنسا الرسمية لاحقًا، لكنه يعكس عمق الانزعاج الأوروبي من الوحشية الإسرائيلية المتواصلة في غزة.

 الداخل الإسرائيلي هو من يملك المفتاح

لودريان لم يوجه نداءه للمجتمع الدولي فقط، بل حمّل الشعب الإسرائيلي نفسه مسؤولية التصحيح، داعيًا إياه إلى وقف هذا “الانحراف الخطير”، قبل أن تجد إسرائيل نفسها في “وضع مأساوي لا يمكن تداركه”.

هذا الطرح يتقاطع مع موجة الغضب المتزايدة في الشارع الإسرائيلي نفسه، نتيجة الخسائر العسكرية في غزة، والمآزق القانونية الدولية المتصاعدة التي بدأت تلاحق قادة الاحتلال.

تصريحات لودريان ليست مجرد رأي شخصي لمسؤول سابق، بل تمثل مؤشراً على تصدع جدار الدعم السياسي الأوروبي لإسرائيل، بعد أن أصبح من الصعب تبرير المجازر، والتجويع، والتدمير الممنهج، وسط تغطيات إعلامية وشهادات ميدانية تُدين الاحتلال بوضوح.

وفي وقت تواصل فيه إسرائيل قصفها وقتلها، حتى في أيام العيد، تتسع دائرة الإدانات الدولية لتشمل حلفاء تاريخيين، ما قد يمهّد لتحولات قادمة في المواقف الأوروبية، سواء على مستوى الخطاب أو الإجراءات.

إسرائيل اليوم تواجه عزلتها الأخلاقية قبل السياسية، ولودريان فقط نطق بما يحاول كثيرون التهرب من قوله: العالم بدأ يراها كما هي… دولة تفقد شرعيتها الأخلاقية كل يوم.

اقرأ أيضا: بسبب دعم الإمارات للإسلاموفوبيا.. جريمة عنصرية جديدة في فرنسا تودي بحياة تونسي