في أحدث صرخة استغاثة أطلقتها منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان، كليمنتاين نكويتا سلامي، وجّهت المنظمة الأممية نداءً عاجلًا إلى المجتمع الدولي لإنقاذ الملايين من المدنيين الذين يقبعون تحت وطأة “واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم”، وسط تجاهل عالمي مخزٍ وتقصير متزايد في التمويل.
وخلال مقابلة مع الموقع الرسمي للأمم المتحدة، قالت نكويتا: “نناشد المجتمع الدولي ألا ينسى السودان، وألا ينسى الرجال والنساء والأطفال الذين وجدوا أنفسهم في وضع بالغ الصعوبة وفي لحظة حرجة من تاريخ بلادهم”.
وأضافت أن الوضع الإنساني “كارثي بكل المقاييس”، مع اعترافها الصريح بأن المساعدات لا تصل إلى جميع المتضررين بسبب الحصار والنزاع المستمر.
ورغم إعلان الأمم المتحدة وشركائها عن خطة لجمع 4.2 مليارات دولار لتقديم المساعدة إلى 30 مليون سوداني هذا العام، لا يزال التمويل بعيدًا عن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات، بينما تواصل آلة الحرب تمزيق ما تبقى من البلاد.

دارفور تحترق.. والمجاعة تطرق أبواب زمزم
المنسقة الأممية لم تخفِ قلقها من أن ما يحدث في دارفور يُشبه الإبادة الجماعية، حيث أشارت بشكل خاص إلى مدينة الفاشر المحاصرة منذ شهور، حيث يتعرض المدنيون لقصف يومي وأوضاع معيشية “تدهورت بشكل سريع وخطير”، وسط انعدام الخدمات الأساسية.
أما مأساة مخيم زمزم، الذي يضم مئات الآلاف من النازحين في شمال دارفور، فقد وصفته نكويتا بأنه “نقطة الانفجار الكارثية”، حيث تؤكد التقارير الميدانية أن المخيم يواجه خطر المجاعة المؤكد، مع نقص حاد في الغذاء والماء والدواء، وهو ما قد يؤدي إلى وفيات جماعية إن استمرت الأوضاع على حالها.
ولم تكن هذه التحذيرات جديدة، إذ سبق أن وصفت نكويتا في تصريحات صحفية سابقة الأزمة في السودان بأنها “وصلت إلى أبعاد غير مسبوقة”، مشيرة إلى أن أكثر من نصف السكان بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة.
كما حذّرت من أن انعدام الأمن الغذائي وصل إلى مستويات “تاريخية”، خاصة في دارفور والخرطوم وكردفان.
دعم إماراتي لميليشيا الدم: الدور الخفي الذي لا يُحاسب
في ظل هذه الكارثة الإنسانية المتفاقمة، تتجه أصابع الاتهام من جديد نحو النظام الإماراتي، الذي تُظهر التقارير الدولية تورطه العميق في إشعال فتيل الحرب عبر تقديم الدعم العسكري والمالي والسياسي لميليشيا الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في دارفور ومناطق أخرى.
وتشير تقارير عدة، من بينها تحقيقات لصحف عالمية مثل “فايننشال تايمز” و”الغارديان”، إلى أن أبو ظبي لعبت دورًا محوريًا في تمويل وتسليح قوات الدعم السريع، عبر إرسال شحنات سلاح تم رصدها في مطارات ليبية وسودانية، فضلاً عن دعمها السياسي في المحافل الدولية.
ولا يمكن فهم مجازر مثل تلك التي وقعت في مخيم زمزم أو حصار الفاشر دون تتبع مسار الدعم اللوجستي الذي تلقته قوات الدعم السريع.
وقد وُجهت اتهامات إلى النظام الإماراتي باستخدام “غطاء إنساني” عبر ما يسمى الهلال الأحمر الإماراتي، لإخفاء دعم عسكري ممنهج للميليشيات المتورطة في القتل والتهجير والتطهير العرقي.
الهدف الإماراتي – بحسب مراقبين – لا يقتصر على مجرد النفوذ، بل يتعداه إلى فرض أجندة اقتصادية عبر السيطرة على الموانئ السودانية والممرات التجارية في البحر الأحمر، وهو ما يفسر مساعيها الدؤوبة لإضعاف الجيش السوداني وتعزيز هيمنة حميدتي في الغرب والجنوب.
حين يتحول المجتمع الدولي إلى متفرج
المفارقة المروعة أن كل هذه الجرائم تجري وسط صمت شبه كامل من المجتمع الدولي، الذي يبدو عاجزًا – أو غير راغب – في اتخاذ خطوات فعلية لمحاسبة المتورطين في تسليح وتمويل الحرب.
فبينما يُلقى اللوم على أطراف النزاع داخل السودان، تُغضّ الأبصار عن الدول التي تغذي هذه الحرب بالمال والسلاح.
وفي الوقت الذي يئن فيه الشعب السوداني تحت القصف والجوع والتشريد، لا يزال العالم منشغلًا بأزمات أخرى، تاركًا السودان ينزف دون حتى تسليط الضوء الكافي على ما يجري هناك.
إلى أين؟
إن دعوة الأمم المتحدة اليوم ليست مجرد نداء لتمويل الإغاثة، بل صرخة لإنقاذ ما تبقى من السودان، ووقف كارثة إنسانية تتكشف فصولها يومًا بعد يوم، في ظل تواطؤ دولي وتدخلات إقليمية مدمرة، يقف النظام الإماراتي في مقدمتها.
وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي الآن – لا سيما لمحاسبة الأطراف الخارجية التي تدعم الحرب – فإن السودان مقبل على أسوأ مجاعة في تاريخه الحديث، وقد يُضاف إلى قائمة الدول التي سقطت تحت ركام التدخلات الأجنبية والصمت الدولي المريب.
اقرأ أيضًا : بصمات النظام الإماراتي في المجازر.. مليشيات الدعم السريع تقتل طاقم مستشفى في مخيم زمزم وتواصل جرائمها في دارفور