في تصعيد غير مسبوق يعكس تحولاً نوعياً في تكتيكات الحرب الأهلية السودانية، شنت قوات “الدعم السريع” أول هجوم لها على مدينة بورتسودان شرقي البلاد، مستهدفة قاعدة جوية ومنشآت مدنية بطائرات مسيّرة انتحارية.
يأتي ذلك بعد أيام من سيطرتها على مدينة النهود الاستراتيجية، ما يشير إلى عودة قوية للمليشيا المدعومة إماراتياً إلى الهجوم، بعد شهور من التراجع أمام الجيش السوداني في عدة جبهات.

ضربة مسيّرة على بورتسودان: مرحلة جديدة في الصراع
أعلن الجيش السوداني، اليوم الأحد، أن مدينة بورتسودان الساحلية شهدت لأول مرة هجوماً من قبل قوات الدعم السريع، استُخدمت فيه طائرات مسيّرة استهدفت قاعدة عثمان دقنة الجوية ومنشآت مدنية قرب مطار المدينة.
ووفق المتحدث باسم الجيش، نبيل عبد الله، فإن الهجوم تضمن ضرب مستودع بضائع وبعض المرافق المدنية، وأسفر عن أضرار محدودة بمخزن للذخائر، دون وقوع إصابات بشرية، بينما تصدت الدفاعات الأرضية للمسيّرات وأسقطت بعضها.
شهود عيان أكدوا سماعهم لسلسلة انفجارات قوية هزت الأحياء الجنوبية لبورتسودان، المدينة التي تحولت منذ أكثر من عام إلى المقر البديل للحكومة السودانية، ومركزاً حيوياً للمنظمات الإنسانية والبعثات الدبلوماسية بعد انهيار الأوضاع في الخرطوم.
وتحمل هذه الضربة دلالات عسكرية وسياسية كبيرة؛ فهي ليست فقط اختراقاً ميدانياً لخطوط الجيش في شرق البلاد، بل تمثل محاولة واضحة لتقويض ما تبقى من رمزية للسلطة المركزية، ولتوسيع نطاق المعركة إلى مناطق جديدة كانت تعتبر حتى الآن “آمنة” نسبياً.
كما تثير الضربة تساؤلات حول الدعم اللوجستي والاستخباراتي الذي مكن الدعم السريع من تنفيذ عملية بهذا البعد الجغرافي.
السيطرة على النهود: بوابة للتمدد نحو دارفور والشرق
جاء الهجوم على بورتسودان بعد يومين فقط من إعلان الدعم السريع إحكام سيطرتها الكاملة على مدينة النهود في ولاية غرب كردفان، بعد معارك عنيفة مع الجيش السوداني.
وتمكّنت الميليشيا من السيطرة على مقر قيادة اللواء 18 مشاة بالمدينة، التي تُعد نقطة استراتيجية لتمرير الإمدادات العسكرية إلى دارفور، معقل الدعم السريع التاريخي.
وتكتسب النهود أهمية سياسية وإدارية كذلك، إذ تحولت إلى العاصمة المؤقتة لغرب كردفان منذ سقوط مدينة الفولة في قبضة الدعم السريع العام الماضي.
هذه السيطرة تؤكد أن الدعم السريع يسعى إلى استعادة زمام المبادرة ميدانياً، وإعادة ترميم خطوطه اللوجستية غرباً، بعد أن مني بخسائر في الخرطوم ومدن النيل الأبيض.
كما شنّت المليشيا هجوماً مماثلاً أمس السبت بطائرة مسيّرة على مطار مدينة كسلا، شرقي السودان، مستهدفة منطقة خزان الوقود، دون أن تعلن السلطات وقوع إصابات. اختيار كسلا كبُعد جغرافي للهجوم يعكس تطوراً تقنياً في قدرات الدعم السريع الجوية، التي يعتقد أنها تأتي بدعم وتكنولوجيا إماراتية.
الدور الإماراتي: تمويل إبادة جماعية وتمكين ميليشياوية
تزامن هذا التصعيد مع تقارير دولية وتحقيقات صحفية تتحدث عن استمرار تدفق الدعم العسكري والمالي من دولة الإمارات إلى قوات الدعم السريع.
إذ وُثّق تمويل أبوظبي لمشتريات أسلحة عبر وسطاء في أفريقيا والشرق الأوسط، وتوفير طائرات مسيّرة وأجهزة اتصال متطورة دعمت بها قيادة حميدتي، مقابل تسهيلات اقتصادية ومنافع استراتيجية في مناطق الذهب والنفط.
وتحمّل منظمات حقوقية، بينها هيومن رايتس ووتش ومجموعة الأزمات الدولية، دولة الإمارات مسؤولية التواطؤ في الجرائم المرتكبة في السودان، خاصة في إقليم دارفور، حيث تشير شهادات متطابقة إلى ارتكاب مجازر جماعية وتطهير عرقي بحق المدنيين، كان أبرزها ما جرى في مدينة الجنينة خلال الأشهر الماضية.
وتذهب تقارير إلى حد اعتبار الدعم الإماراتي نوعاً من “التمويل للإبادة الجماعية”، خصوصاً بعد أن أظهرت صور الأقمار الصناعية وقائع إحراق مئات القرى في غرب السودان، ووجود صلة مباشرة بين الهجمات والتسليح الحديث الذي حصلت عليه قوات الدعم السريع.
ومن بين الأسلحة التي يُعتقد أنها وصلت عبر وسطاء إماراتيين: طائرات بدون طيار من طراز “وينغ لونغ” الصينية ومسيّرات هجومية خفيفة الصنع.
ولم تعد الاتهامات للإمارات تصدر فقط من المعارضة السودانية أو من منظمات حقوق الإنسان، بل امتد الأمر إلى دوائر داخلية في الحكومة السودانية نفسها، إذ وصف مسؤول بارز في وزارة الخارجية مؤخراً الدور الإماراتي بأنه “خنجر في ظهر السودان”.
المشهد العام: حرب مستعصية وتدويل وشيك
رغم محاولات التهدئة التي تقودها أطراف إقليمية من أجل وقف إطلاق النار، فإن الميدان يشهد تصعيداً مستمراً وانزلاقاً نحو حرب طويلة الأمد قد تعمّق التفتت الجغرافي للسودان.
وفي الوقت الذي تشير فيه التقديرات الرسمية إلى سقوط أكثر من 20 ألف قتيل، فإن دراسات أكاديمية صادرة عن جامعات أمريكية ترجّح أن العدد الحقيقي يتجاوز 130 ألف قتيل، مع وجود نحو 15 مليون نازح ولاجئ داخل السودان وخارجه.
وبينما تستمر قوات الدعم السريع في السيطرة على معظم دارفور وأجزاء من كردفان، وتحاول فتح جبهات شرقية في بورتسودان وكسلا، يبقى الجيش السوداني في موقف دفاعي معتمد على الرمزية السيادية، لكنه يفتقر إلى الزخم الميداني المستدام.
وفي ظل هذا الواقع المتأزم، تزداد المخاوف من تدويل الصراع عبر تدخلات خارجية أوسع، قد تحول السودان إلى ساحة مواجهة بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية، تماماً كما جرى في ليبيا وسوريا.
اقرأ أيضًا : الجزائر تُهاجم الإمارات: بيان رسمي يصفها بـ”الدويلة” واللقطاء