منذ اللحظة الأولى لإعلان وقف إطلاق النار في غزة، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل في القطاع المحاصر. فخلال أيام قليلة، اختفت العصابات المسلحة التي كانت تثير الرعب في شوارع المدينة، وتوقفت حوادث نهب الشاحنات والإمدادات الإنسانية التي كانت تُستخدم ذريعة لتشويه صورة المقاومة. المفارقة أن هذا الاستقرار المفاجئ لم يكن وليد الصدفة، بل كشف – وفق محللين إسرائيليين – عن حقيقة مرّة: أن الفوضى التي عمّت القطاع في الأشهر الماضية كانت من صناعة الاحتلال نفسه.

الاحتلال وراء الفوضى المنظمة
المحلل العسكري الإسرائيلي يوسي يهوشع كتب في صحيفة يديعوت أحرونوت أن “منذ إعلان وقف إطلاق النار لم تُسجَّل أي سرقات للشاحنات في غزة، والعصابات اختفت تماماً، مما يثبت أن الجيش الإسرائيلي كان المتحكم الفعلي فيها”. هذا التصريح، الصادر من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، يعدّ إقراراً غير مباشر بأن الاحتلال استخدم تلك العصابات كأداة لإثارة الفوضى في مناطق غزة خلال الحرب.
فبينما كانت الرواية الإسرائيلية الرسمية تصف الوضع الأمني في القطاع بأنه “انهيار شامل” وأن “المجتمع الغزي يعيش تحت سطوة العصابات”، جاءت تصريحات يهوشع لتقلب الصورة رأساً على عقب. إذ يبدو أن تلك العصابات كانت تعمل بتوجيه غير مباشر من وحدات خاصة إسرائيلية، أو على الأقل تحت غطائها الجوي الذي كان يمنع الأجهزة الأمنية في غزة من مواجهتها.
الهدف، كما يراه مراقبون فلسطينيون، كان واضحاً: إظهار المقاومة بمظهر العاجز عن ضبط الأمن بعد سنوات من الحصار والحرب، وبالتالي تمهيد الرأي العام الدولي لفكرة أن غزة تحتاج إلى “وصاية أمنية خارجية” بحجة غياب السلطة الشرعية.
المقاومة تعيد فرض النظام
لكن ما إن انسحبت القوات الإسرائيلية من مناطق التماس ورفعت الغطاء عن تلك المجموعات، حتى انقلب المشهد كلياً. فقد تمكنت أجهزة وزارة الداخلية في غزة من تنفيذ حملة أمنية شاملة في غضون أيام، اعتقلت خلالها العشرات من المطلوبين وضبطت أسلحة وممتلكات منهوبة، فيما عاد الهدوء إلى الأسواق والطرق العامة.
مصادر أمنية في غزة أكدت أن “وجود المقاومة على الأرض هو ما أنهى ظاهرة العصابات في لحظة”، مشيرة إلى أن التنظيمات الفلسطينية، وعلى رأسها كتائب القسام، لعبت دوراً رئيسياً في حماية المدنيين وضمان عودة الحياة الطبيعية.
هذا التحول السريع أثبت أن الأمن في غزة لم يكن يحتاج إلى قوات أجنبية أو إشراف دولي كما روجت بعض الأطراف، بل إلى إزالة الاحتلال وعناصره السرية التي كانت تغذي الفوضى. كما أظهر قدرة الأجهزة الأمنية في القطاع على العمل بانضباط عالٍ حتى في ظروف ما بعد الحرب، وهو ما لم يتحقق في أي منطقة عربية خضعت لحروب طويلة مشابهة.
انهيار السردية الإسرائيلية أمام الرأي العام
انكشاف هذا الواقع يضع المؤسسة الإسرائيلية أمام مأزق جديد. فالرواية التي روّجتها تل أبيب طيلة الحرب، والتي كانت تزعم أن غزة تحوّلت إلى “منطقة خارجة عن السيطرة” وأن “المقاومة فقدت قدرتها على إدارة الحياة المدنية”، سقطت عملياً مع استعادة الأمن الكامل بعد أيام فقط من وقف النار.
تصريحات يهوشع لم تمر مرور الكرام داخل الأوساط الإسرائيلية؛ فقد أثارت جدلاً واسعاً حول دور الجيش في إدارة ملفات الحرب النفسية والإعلامية. فبينما كانت الحكومة تحاول تسويق صورة “الانتصار عبر الفوضى”، جاء اعتراف محلل عسكري بارز ليؤكد أن تلك الفوضى كانت من إنتاج الجيش نفسه، وأنها انتهت بمجرد غيابه.
من الناحية السياسية، تمنح هذه التطورات المقاومة الفلسطينية ورقة قوة في أي مفاوضات مقبلة حول إدارة القطاع. فهي تثبت عملياً أن حركات المقاومة – رغم الدمار الهائل الذي خلّفته الحرب – ما زالت تمتلك السيطرة الميدانية والتنظيمية، وأنها قادرة على حماية المدنيين ومنع الفلتان الأمني.
دلالات ما بعد الحرب
يرى محللون أن تجربة ما بعد الحرب في غزة ستُدرّس لاحقاً كنموذج فريد في إدارة الأمن في مناطق ما بعد النزاعات. فبينما انهارت دول وجيوش بعد الحروب، استطاعت المقاومة أن تعيد الحياة إلى قطاع خاض حرب إبادة استمرت لأكثر من عامين.
هذا التحول السريع يعكس مستوى الانضباط المؤسسي لدى الأجهزة الأمنية في غزة، وعمق التعاون بين المقاومة والمؤسسات المدنية. كما يوجّه رسالة واضحة للعالم بأن المقاومة ليست “مليشيا منفلتة” كما يصفها الاحتلال، بل كيان منظم يحكمه قانون وأجهزة أمنية قادرة على حماية المجتمع.
من الفوضى إلى الاستقرار بفضل المقاومة
هكذا، يثبت الواقع من جديد أن الاحتلال هو أصل الفوضى، وأن الأمن لا يتحقق إلا بزواله. فحين غابت طائراته وقواته البرية، عاد النظام إلى غزة، وتلاشت العصابات التي كان يحرّكها من وراء الستار.
أما المقاومة، التي وُصفت طويلاً بأنها “مصدر الفوضى”، فقد أثبتت أنها الضمانة الوحيدة للاستقرار، وأن سلاحها لم يكن أداة حرب فقط، بل صمام أمان في وجه الانفلات والفوضى المنظمة التي حاول الاحتلال زرعها.
وبينما تواصل تل أبيب تبرير فشلها أمام المجتمع الدولي، يبقى المشهد في غزة اليوم شهادة حيّة على أن الاحتلال لا يجلب إلا الفوضى، وأن إرادة المقاومة قادرة على إعادة الأمن حتى وسط الركام.
اقرأ أيضًا : غزة.. انهيار المليشيا المدعومة إسرائيليًا وتخلي تل أبيب عن وكلائها