ارتكبت قوات الدعم السريع في السودان واحدة من أبشع المجازر بحق المدنيين في مدينة النهود بولاية غرب كردفان، في جريمة دموية جديدة تُضاف إلى سجلها الحافل بالانتهاكات. 

وأعلنت “شبكة أطباء السودان”، وهي هيئة طبية مستقلة، أن أكثر من 100 مدني، بينهم 21 طفلاً و15 امرأة، قُتلوا جراء الهجوم الوحشي الذي شنّته الميليشيا منذ مساء الخميس، قبل أن تعود “نقابة أطباء السودان” لاحقاً وتعلن أن حصيلة الضحايا ارتفعت إلى نحو 300 قتيل، إضافة إلى عشرات الجرحى، وسط عجز تام في تقديم المساعدات الطبية بسبب انهيار الخدمات الصحية.

الهجوم لم يقتصر على القتل الجماعي فحسب، بل شمل أيضاً اقتحام مستشفى النهود التعليمي، أحد أهم المراكز الصحية في المنطقة، ونهب الإمدادات الطبية بالكامل، ما أدى إلى توقف المستشفى عن العمل، في وقتٍ بات فيه آلاف المصابين في أمسّ الحاجة للرعاية العاجلة. كما تعرضت صيدليات خاصة للتدمير والتخريب، ما فاقم من حجم الكارثة الإنسانية التي تشهدها المدينة.

وبثت عناصر الدعم السريع مقاطع مصورة من داخل مقر قيادة اللواء 18 مشاة التابع للجيش السوداني، معلنين سيطرتهم الكاملة على مدينة النهود التي كانت تحت إدارة الجيش، وذلك بعد معارك ضارية رجّحت فيها كفة الميليشيا المدعومة إماراتياً.

إمارات الشر.. دعم سخي يقود إلى مجازر جماعية

ما يحدث في النهود، كما في مناطق أخرى من السودان، لا يمكن فصله عن الدعم الخارجي الذي تحظى به قوات الدعم السريع، وعلى رأسه الدعم الإماراتي السخي والمستمر، الذي تحوّل إلى وقود يُغذي ماكينة القتل والتطهير العرقي في البلاد. فمنذ اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع في أبريل 2023، تدفقت الأسلحة والإمدادات من أبوظبي إلى قوات محمد حمدان دقلو “حميدتي”، وسط صمت دولي مريب، واتهامات موثقة من جهات حقوقية وإعلامية بدور إماراتي مباشر في تأجيج الحرب.

وتعد المجازر التي ترتكبها “الدعم السريع” اليوم ثمرة طبيعية للدعم السياسي والعسكري الذي وفرته الإمارات لتلك الميليشيا، التي لا تتورع عن استخدام أساليب الحرب القذرة بحق المدنيين، بدءاً من القتل الجماعي والنهب، وصولاً إلى الاعتداء على المنشآت الصحية وتدمير البنية التحتية. وبحسب تحقيقات سابقة، فإن الدعم الإماراتي شمل شحنات طائرات مسيّرة وذخائر وأسلحة متطورة، إضافة إلى تدريب عناصر من الدعم السريع في قواعد إماراتية.

ويشير مراقبون إلى أن الإمارات تسعى من خلال هذا الدعم إلى تعزيز نفوذها في منطقة القرن الإفريقي والساحل، عبر وكلاء محليين مثل “حميدتي”، الذين باتوا أدوات طيعة لتنفيذ أجنداتها الاستراتيجية، سواء في السودان أو في ليبيا المجاورة.

تراجع نفوذ “الدعم السريع” وسط تصاعد الكلفة الإنسانية

في الوقت الذي تنفذ فيه “الدعم السريع” مجازرها بغرب السودان، تواجه تراجعاً متسارعاً في مناطق سيطرتها، لا سيما في العاصمة الخرطوم، حيث تمكنت القوات المسلحة من استعادة عدد من المواقع الحيوية، من بينها القصر الجمهوري، وعدة وزارات، والمطار الدولي. كما تشير تقارير ميدانية إلى تقهقر نفوذ “الدعم السريع” في ولايات أخرى مثل الجزيرة وسنار، وسط ضغوط عسكرية وشعبية متصاعدة لطرد الميليشيا من كامل التراب السوداني.

لكن، وبالرغم من هذا التراجع العسكري، فإن الكلفة الإنسانية تتصاعد بوتيرة مرعبة. إذ تقدر الأمم المتحدة عدد القتلى منذ بدء الحرب بأكثر من 20 ألفاً، فيما تشير تقديرات جامعات أمريكية إلى أن العدد قد يصل إلى 130 ألف قتيل، في ظل محدودية الوصول إلى المناطق المنكوبة. أما النازحون، فقد تجاوز عددهم 15 مليوناً داخل السودان وخارجه، ما يجعل هذه الحرب واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخ البلاد.

وفي غرب كردفان، كانت مدينة الفولة، العاصمة الأصلية للولاية، قد سقطت في يد الدعم السريع في وقت سابق، وهو ما أدى إلى نقل العاصمة الإدارية إلى مدينة النهود، التي سقطت بدورها الآن، مما يُظهر حجم التردي الأمني وانعدام الحماية للمراكز السكانية الرئيسية.

وفي ظل هذه الأوضاع، تبرز الحاجة الماسة إلى تحرك دولي عاجل لوقف جرائم الحرب التي ترتكبها “الدعم السريع”، ولفرض عقوبات صارمة على الجهات الداعمة لها، وفي مقدمتها الإمارات، التي باتت طرفاً مباشراً في النزاع عبر تمويل وتوجيه الميليشيات المنفلتة.

خاتمة: هل يُحاسب المجرمون؟

تبقى الأسئلة الكبرى عالقة: إلى متى سيظل المجتمع الدولي يتغاضى عن المجازر في السودان؟ ولماذا تُستثنى الدول الراعية للحرب، كالإمارات، من المساءلة؟ وهل ستتحرك المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة حميدتي وشركائه في أبوظبي بتهم ارتكاب جرائم حرب؟

ما حدث في النهود ليس حادثاً معزولاً، بل هو حلقة جديدة من مسلسل القتل الجماعي الذي بات السمة الأبرز لحرب الخرطوم. ومع كل صمت دولي، تزداد شراسة الهجمات، ويُفتح الباب أمام مزيد من الانهيار، ما لم يتحرك العالم لوقف النزيف.

اقرأ أيضًا : قصفوا محطة كهرباء بطائرات مسيرة.. مليشيات النظام الإماراتي تستهدف المدنيين