اتهمت شبكة أطباء السودان قوات الدعم السريع بارتكاب واحدة من أبشع عمليات الاعتقال القسري منذ اندلاع الحرب الأهلية في البلاد في أبريل 2023، حيث احتجزت الميليشيا 178 شخصًا في مدينة الضعين، عاصمة ولاية شرق دارفور.
وأكدت الشبكة، في بيان صدر الأربعاء، أن بين المعتقلين كوادر طبية تم اقتيادهم قسرًا إلى معسكرات التجنيد، في محاولة واضحة لفرض القتال على المدنيين لصالح ميليشيا الدعم السريع.
ووفقًا للبيان، فإن قوات الدعم السريع لم تكتفِ بالاعتقال، بل مارست ضغوطًا على المعتقلين لإجبارهم على الانضمام إلى القتال، ملوّحةً بخيارين: إما حمل السلاح في صفوف الميليشيا أو دفع فدية لإطلاق سراحهم.
هذا السلوك يرقى إلى انتهاك صريح لأبسط المبادئ الأخلاقية والقوانين الدولية، ويشكّل جريمة ضد المدنيين العزّل.
شبكة الأطباء ندّدت بشكل خاص باعتقال أحد أفراد الطاقم الطبي، مؤكدة أن عائلته تلقت تهديدات صريحة بإجباره على القتال أو دفع مبلغ مالي مقابل الإفراج عنه.
كما دعت الشبكة المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية إلى التحرك العاجل للضغط على قوات الدعم السريع لوقف هذه الممارسات اللاإنسانية، التي تنذر بتوسع كارثة الحرب في البلاد.

الدعم السريع في حالة تعبئة… ومؤشرات انهيار في الجبهات
تزامنت هذه الحادثة مع إعلان الإدارة المدنية التابعة للدعم السريع في شرق دارفور حالة الطوارئ والتعبئة العامة.
ويبدو أن هذه التعبئة تأتي كردّ فعل مباشر على التقدم الكبير الذي أحرزه الجيش السوداني في ولايات كردفان الثلاث، المجاورة لشرق دارفور، وهو ما يفسّر السعي المحموم لقوات الدعم السريع لتجنيد مزيد من العناصر بالقوة.
وفقًا لتقارير متعددة، تواجه قوات الدعم السريع أزمة حقيقية في تجنيد المقاتلين، بعد انسحابها من عدة مواقع استراتيجية، أبرزها الخرطوم والنيل الأبيض.
ولا تزال الميليشيا تحتفظ بجيوب محدودة في بعض ولايات دارفور، وشمال وغرب كردفان، وهو ما يعكس تضاؤل نفوذها تدريجيا على الأرض.
في ظل هذا الواقع، تلجأ قيادة الدعم السريع إلى “الحل الإماراتي” المتمثّل في استقدام المرتزقة، وتجنيد المدنيين قسرًا، بما يشبه النموذج الذي تم تطبيقه في ليبيا واليمن، حيث دعم النظام الإماراتي ميليشيات مشابهة بالمال والسلاح لتأجيج الصراعات وإطالة أمد الحروب من أجل تحقيق أهداف سياسية واقتصادية مشبوهة.
بصمات إماراتية دامية: تمويل وتسليح لتمزيق السودان
لا يمكن قراءة سلوك قوات الدعم السريع بمعزل عن الدور الإماراتي الفاضح في دعم هذه الميليشيا. فمنذ اندلاع الحرب، تُتهم أبوظبي بتزويد قوات محمد حمدان دقلو “حميدتي” بالسلاح، والمعدات العسكرية، بل وبتنسيق إرسال مرتزقة من تشاد وأفريقيا الوسطى.
ويشير مراقبون إلى أن شحنات السلاح الإماراتية تصل إلى الدعم السريع عبر طرق تهريب تمر من ليبيا وتشاد والسودان، في مخالفة واضحة لقرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بحظر التسليح في مناطق النزاع.
ليس ذلك فحسب، بل تفيد تقارير دولية بأن شركات إماراتية تعمل في مجال الاستخبارات الخاصة ونقل الأسلحة متورطة في تزويد الدعم السريع بوسائل متطورة للمراقبة والاتصالات، وهو ما يفسّر قدرة الميليشيا على التوسع وارتكاب انتهاكات ضد المدنيين في مناطق شاسعة.
الهدف من هذا الدعم الإماراتي، بحسب خبراء، لا يخرج عن سياق محاولة تحويل السودان إلى ساحة نفوذ إقليمي تتحكم فيه أبوظبي عبر وكلائها المحليين، وفي مقدمتهم حميدتي، الذي يسعى بدوره لتثبيت نفوذه السياسي مقابل خدماته في تنفيذ الأجندة الإماراتية، وعلى رأسها تأمين طرق التجارة، وموارد الذهب، والتحكم بالحدود الغربية للسودان.
وتتلاقى هذه الأهداف مع رغبة إماراتية في منع أي تحول ديمقراطي في السودان يهدد نموذجها السلطوي في المنطقة، أو يسمح بعودة قوى الثورة إلى الحكم. وبالتالي، فإن استمرار الحرب يمثل مصلحة مباشرة لأبوظبي، ولو كان الثمن دماء عشرات الآلاف من السودانيين.
خاتمة: مسؤولية دولية عن جريمة الحرب في دارفور
إن اختطاف المدنيين في شرق دارفور ومحاولة إجبارهم على القتال لصالح ميليشيا مسلحة مدعومة خارجيًا يمثل جريمة حرب بكل المقاييس.
وإن صمت المجتمع الدولي، لا سيما الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، عن هذه الانتهاكات، يشجع على تكرارها، بل وعلى تصعيدها في مناطق أخرى.
لقد آن الأوان لفتح تحقيق دولي في الدور الإماراتي في السودان، ومحاسبة المتورطين في تمويل وتسليح ميليشيات ارتكبت جرائم إبادة جماعية وتهجير قسري وجرائم ضد الإنسانية.
كما يجب على المجتمع الدولي فرض عقوبات صارمة على كل من يشارك في تمزيق السودان من الداخل، سواء كانوا فاعلين محليين أو إقليميين.
السودانيون لا يحتاجون إلى مزيد من الميليشيات والمرتزقة، بل إلى سلام عادل، وانتقال ديمقراطي، وتنمية حقيقية.
وأي دعم سياسي أو عسكري لقوى الحرب لا يُمكن أن يُفسَّر إلا كإسهام مباشر في جرائم الإبادة والدمار التي يعيشها السودان اليوم.
اقرأ أيضًا : السودان يحترق بتمويل إماراتي: مذبحة جديدة للدعم السريع في ولاية الجزيرة تخلف 50 قتيلاً ومئات الجرحى