كشف مصدر طبي في مدينة الفاشر غربي السودان، السبت، عن مقتل 30 مدنيًا وإصابة عشرات آخرين، إثر استهداف طائرة مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع مركز إيواء للنازحين داخل المدينة، في جريمة جديدة تُضاف إلى سجل الانتهاكات التي تشهدها دارفور منذ اندلاع الحرب في نيسان/أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وأكد المصدر من مستشفى الفاشر التعليمي أن “الضربات استهدفت مركز إيواء يضم نساءً وأطفالًا فرّوا من مناطق القتال، ما أدى إلى سقوط عدد كبير من القتلى والمصابين”. وأشار إلى أن بعض الضحايا لقوا حتفهم حرقًا بعد اشتعال النيران في الخيام والمباني المؤقتة التي كان يسكنها النازحون.
وبحسب شهود عيان، حلّقت الطائرة المسيّرة على علوّ منخفض قبل أن تطلق ثلاث قذائف متتالية على المنطقة، في وقتٍ كانت فيه الأسر تتناول طعام الإفطار، ما حول المكان إلى ساحة دمارٍ ومشاهد مأساوية يصعب وصفها. وتؤكد المنظمات الإنسانية أن هذه الضربات تمثّل استمرارًا لنهج “العقاب الجماعي” الذي تتبعه قوات الدعم السريع بحق سكان الفاشر المحاصرة منذ شهور.

أبوظبي في قلب المأساة
مصادر سودانية مطلعة تحدثت لموقع “العدسة بوست” أكدت أن العملية “لم تكن قرارًا ميدانيًا منفصلًا”، بل جاءت بأوامر مباشرة من ضباط إماراتيين يشرفون على غرفة عمليات الدعم السريع في غرب دارفور.
وأضافت المصادر أن أبوظبي تواصل تزويد ميليشيا محمد حمدان دقلو (حميدتي) بطائرات مسيّرة حديثة من طراز “وينغ لونغ” الصينية الصنع، وذخائر دقيقة التوجيه، تُستخدم في قصف المدن ومراكز الإيواء والمستشفيات.
وتشير تقارير استخباراتية غربية إلى أن الإمارات هي الممول والمشغّل الرئيسي للدعم السريع، عبر شبكات تسليح معقدة تنطلق من أراضيها مرورًا بتشاد وليبيا، في انتهاك صارخ لقرارات الأمم المتحدة التي تحظر تزويد الأطراف السودانية بالسلاح.
ورغم نفي أبوظبي المتكرر، فإن شهادات ميدانية وصور أقمار صناعية أثبتت وجود جسر جوي إماراتي مستمر منذ العام الماضي، نقل آلاف الأطنان من الأسلحة إلى قوات الدعم السريع التي تستخدمها لاحتلال المدن وارتكاب المجازر بحق المدنيين.
حرب بالوكالة.. وسودان محترق
تُتهم الإمارات منذ اندلاع الحرب بأنها أشعلت الصراع السوداني خدمةً لمصالحها الاقتصادية في مناجم الذهب وموانئ البحر الأحمر.
فقد عملت لسنوات على دعم حميدتي ماليًا وسياسيًا لبناء قوة موازية للجيش السوداني الرسمي، بغرض فرض نفوذها على ثروات السودان، خاصة في إقليم دارفور الغني بالذهب.
ويرى مراقبون أن أبوظبي تعتبر السودان جزءًا من مشروعها الإقليمي لخلق أنظمة تابعة تتحكم في موانئ إفريقيا الشرقية وطرق التجارة الدولية، تمامًا كما فعلت في اليمن وليبيا.
وتوضح تقارير اقتصادية أن شركات إماراتية مرتبطة بعائلة بن زايد تدير عمليات تهريب ذهب السودان عبر مطارات خاصة في تشاد وأفريقيا الوسطى، بمساعدة قادة من الدعم السريع. وبذلك تحولت الحرب من صراع سياسي داخلي إلى حرب وكالة تمولها الإمارات وتديرها من خلف الستار، بينما يدفع الشعب السوداني الثمن دمًا وخرابًا.
الفاشر.. المدينة المحاصرة
تعيش مدينة الفاشر منذ أكثر من عام في وضع إنساني كارثي. فالمياه مقطوعة في أغلب الأحياء، والمواد الغذائية نادرة، والمستشفيات تعمل بطاقة محدودة للغاية.
وتؤكد الأمم المتحدة أن أكثر من نصف سكان دارفور البالغ عددهم نحو 8 ملايين نسمة إما نازحون أو مهددون بالمجاعة، بسبب الحصار الذي تفرضه قوات الدعم السريع على المدن الرئيسية.
الهجمات المتكررة بالطائرات المسيّرة جعلت السكان يعيشون في رعب دائم، بينما تعجز المنظمات الإنسانية عن إيصال المساعدات بسبب المخاطر الأمنية.
ويقول أحد الناجين من القصف الأخير: “لم يعد هناك مكان آمن في الفاشر. كل يوم نسمع صوت المسيّرات فوق رؤوسنا، ولا أحد يحمينا. الدعم السريع لا يفرّق بين مقاتل ومدني، والإمارات هي من تزودهم بهذه الأسلحة التي تقتل أطفالنا”.
صمت دولي وتواطؤ عربي
ورغم هول المأساة، لا تزال المواقف الدولية باهتة تجاه الجرائم المتصاعدة في دارفور.
فالأمم المتحدة اكتفت بدعوات “التهدئة وضبط النفس”، بينما تتجنب الولايات المتحدة وبريطانيا تسمية الإمارات علنًا كطرف في النزاع، خوفًا على مصالحهما الاقتصادية معها.
أما الأنظمة العربية، فتمارس صمتًا فاضحًا إزاء ما يجري، في وقتٍ تواصل فيه أبوظبي استغلال نفوذها السياسي والمالي لطمس الأدلة على تورطها المباشر.
ويرى خبراء أن استمرار هذا الصمت يشجع أبوظبي على المضي في مشروعها التخريبي الذي يستهدف تقسيم السودان وإضعاف جيشه الوطني، في إطار استراتيجية “الفوضى الناعمة” التي تتبعها الإمارات في المنطقة.
خاتمة: حرب بن زايد على السودان
الحرب في السودان لم تعد نزاعًا داخليًا بحتًا، بل صراعًا إقليميًا تديره الإمارات لتحقيق أطماعها الاقتصادية والسياسية.
قصف مركز الإيواء في الفاشر، الذي أودى بحياة 30 نازحًا أعزل، ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة جرائم تُرتكب بأوامر مباشرة من قصر أبوظبي، بينما يتحول السودان تدريجيًا إلى دولة منكوبة تنهشها الميليشيات والسلاح الإماراتي.
وفي ظل غياب موقف دولي حاسم، يبقى السؤال:
هل سيستفيق العالم قبل أن تتحول دارفور إلى رماد آخر من حروب محمد بن زايد التي أحرقت اليمن وليبيا وسوريا من قبل؟
اقرأ أيضًا : وقف إطلاق نار هش.. مقتل جندي إسرائيلي واستمرار القصف على غزة رغم الاتفاق