في خطوة مثيرة للجدل، كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسميًا عن خطته لإنهاء الحرب في غزة، تحت عنوان “خطة السلام”، بينما يراها كثيرون محاولة مقنّعة لفرض وصاية دولية على القطاع، وإعادة صياغة المشهد الفلسطيني بما يخدم الاحتلال الإسرائيلي. 

هذه الخطة التي جاءت في عشرات البنود، قد تبدو على الورق وكأنها خارطة طريق لإنهاء المأساة، لكنها في العمق تحمل بذور احتلال جديد، ناعم الشكل، متعدد الأطراف، لكن مركزه قيادة أمريكية مباشرة برئاسة ترامب نفسه.

انسحاب مشروط يكرّس الهيمنة

من أبرز ما ورد في الخطة هو الحديث عن انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من قطاع غزة، لكن هذا الانسحاب ليس كاملًا أو غير مشروط، بل مرتبط تمامًا بعملية نزع السلاح التي ستجري تحت إشراف أمريكي وإسرائيلي ودولي. أي أن الاحتلال لن يغادر إلا عندما يتأكد أنه أفرغ غزة من كل عناصر القوة والمقاومة. هذا يعني عمليًا أن بقاء الجيش الإسرائيلي سيكون رهينة تبريرات أمنية قد تمتد لسنوات، وهو ما يجعل الخطة أقرب إلى تكريس الاحتلال بدل إنهائه.

إلى جانب ذلك، وضعت الخطة ترتيبات لإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين مقابل رهائن إسرائيليين، لكنها صاغت المعادلة بشكل غير متوازن، وكأن الفلسطينيين مجرد أوراق تفاوضية، في حين جرى تصوير الإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين وكأنه “منّة” إسرائيلية وليست حقًا.

وصاية دولية برئاسة ترامب

الجزء الأكثر خطورة في الخطة يتمثل في مقترح إنشاء “هيئة انتقالية دولية” باسم “مجلس السلام”، يرأسه ترامب نفسه ويضم شخصيات غربية مثل توني بلير وآخرين، لتكون هي الجهة المشرفة على إدارة غزة وتمويلها وإعادة إعمارها. هذا الطرح يتجاهل تمامًا السلطة الفلسطينية، ويجرد الفلسطينيين من أي سيادة على أرضهم، ليحوّل القطاع إلى منطقة تحت إدارة دولية، أشبه بالوصاية أو الانتداب، حيث يتحكم الخارج في كل التفاصيل من الأمن إلى الاقتصاد.

من الناحية العملية، يعني ذلك أن سكان غزة سيكونون تحت إدارة غير منتخبة، ولا تعكس إرادتهم السياسية، بل تعكس توازنات الدول الكبرى ومصالح إسرائيل. إنها وصفة لإطالة أمد السيطرة الخارجية، وإعادة تشكيل غزة بما يتناسب مع مخططات الاحتلال.

عفو مشروط وممرات للخروج

واحدة من البنود اللافتة هي ما سمّاه ترامب “العفو عن أعضاء حماس”، شريطة أن يسلموا أسلحتهم أو يغادروا غزة عبر “ممرات آمنة” إلى دول أخرى. هذا الشرط يكشف عن نية واضحة لتفريغ غزة من عناصر المقاومة، وتحويلها إلى منطقة منزوعة السلاح بالكامل. وكأن الخطة تقول صراحة: إمّا الاستسلام الكامل أو الرحيل.

هذا النوع من البنود لا يعبّر عن “سلام”، بل عن محاولة هندسة المجتمع الفلسطيني سياسيًا وأمنيًا، ليُنتج واقعًا بلا مقاومة وبلا قدرة على مواجهة الاحتلال مستقبلًا.

إعادة إعمار تحت عين الاحتلال

تحدّثت الخطة مطولًا عن إدخال مساعدات وإعادة إعمار البنية التحتية، لكن ذلك مشروط هو الآخر بالقبول ببنود الوصاية. المساعدات ستُدار عبر الأمم المتحدة ومؤسسات دولية، بينما تبقى المعابر تحت رقابة الاحتلال، ومعايير التدفق تُحدَّد وفق اتفاقيات وُضعت مسبقًا. هذا يعني أن غزة ستبقى أسيرة الحصار المقنّع، حيث لا يدخل شيء ولا يخرج إلا بإذن الدول الكبرى.

أما حديث ترامب عن “منطقة اقتصادية خاصة” وفرص استثمارية، فهو أشبه بمحاولة تسويق أوهام رخاء اقتصادي للتغطية على حقيقة أن غزة ستبقى خاضعة للرقابة والهيمنة. وبدل أن تكون التنمية وسيلة للتحرر، ستُحوَّل إلى أداة لتطويع الفلسطينيين وقبولهم بالواقع المفروض عليهم.

دور قطر وإعادة تلميع إسرائيل

لم ينس ترامب أن يزجّ بالملف القطري في خطته، حيث تحدّث عن اتصالات بينه وبين نتنياهو ورئيس الوزراء القطري، مشيرًا إلى “اعتذار إسرائيلي” عن استهداف الدوحة سابقًا. هذه الإشارة تكشف عن محاولة أمريكية لإعادة ضبط العلاقة بين قطر وإسرائيل، ولإبقاء الدوحة لاعبًا محوريًا في الترتيبات القادمة. لكن جوهر الرسالة أن ترامب يسعى لإعطاء إسرائيل غطاءً جديدًا بعد جرائمها، من خلال شبكة تفاهمات ظاهرها التعاون الإقليمي وباطنها شرعنة العدوان.

خطة استسلام لا خطة سلام

عند التدقيق في البنود العشرين للخطة، يتضح أنها لا تُبنى على أساس العدالة أو الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، بل على منطق القوة والابتزاز: وقف الحرب مقابل نزع سلاح المقاومة، مساعدات مقابل القبول بالوصاية، انسحاب إسرائيلي مقابل إخراج حماس من المشهد. إنها ببساطة “خطة استسلام” مغلّفة بشعارات التنمية والاستقرار.

ترامب لم يطرح حلًا للصراع بقدر ما طرح آلية جديدة لتثبيت الاحتلال بصيغة دولية، مع منحه شخصيًا دور “الوصي الأعلى” على غزة. ما يحدث ليس سلامًا، بل هو شكل آخر من أشكال الاحتلال، حيث تتحول غزة إلى مختبر للتجارب الدولية، يديره رئيس أمريكي يسعى لتسجيل إنجاز انتخابي، على حساب دماء الفلسطينيين وحقوقهم.

الخلاصة

خطة ترامب المعلنة قد تبدو للبعض نهاية للحرب، لكنها في الحقيقة بداية لمرحلة أشد خطورة: مرحلة احتلال ناعم، متعدد الأطراف، يقوده ترامب تحت غطاء “مجلس سلام” دولي. جوهرها ليس وقف المجازر أو تحقيق العدالة، بل إعادة صياغة غزة بما يلائم أمن إسرائيل ومصالح أمريكا. وبذلك، فإن ما يقدمه ترامب ليس حلًا بقدر ما هو مشروع لوأد القضية الفلسطينية وتحويلها إلى ملف إداري دولي، يُدار من الخارج، ويُحرم فيه الفلسطينيون مرة أخرى من حقهم في تقرير مصيرهم.

اقرأ أيضًا : من خلف الشاشة إلى الشارع.. جيل Z المغربي يفرض نفسه مطالبا بالإصلاح