في مساء أحد أيام أيلول/سبتمبر 2025، تحوّلت ساحة البرلمان بالرباط إلى مسرح مواجهة صامتة بين جيلين: الدولة بكل أجهزتها الأمنية وخطابها التقليدي، وجيل رقمي جديد قرر أن يخرج من وراء الشاشات إلى الشوارع. هؤلاء الشباب، الذين أطلقوا على أنفسهم اسم “جيل Z 212” إشارة إلى رمز المغرب الدولي، هم أبناء عصر الهواتف الذكية و”تيك توك”، وجدوا أنفسهم محاصرين بواقع اجتماعي واقتصادي مأزوم، فابتكروا حركة احتجاجية بلا قيادة واضحة، بلا حزب سياسي، وبلا نقابة، لكنها تحمل صوتا جماعيا يطالب بالصحة والتعليم والكرامة قبل الكرة والمونديال.
الحركة لم تنطلق من مقرات أحزاب أو مكاتب نقابية، بل وُلدت داخل غرف نقاش افتراضية على منصات مثل “ديسكورد” و”إنستغرام”. ومع مرور الوقت، تحولت “الميمز” والهاشتاغات إلى دعوات فعلية للتظاهر، وسرعان ما تَجسّد هذا الغضب الرقمي في وقفات احتجاجية بالرباط والدار البيضاء وطنجة ومكناس، رافعة شعارات مثل: “الصحة أولا، ما بغيناش كأس العالم”، و”الكرامة قبل الكرة”.

حركة بلا قيادة.. لكن بمطالب واضحة
من سمات “جيل Z 212” غياب القيادات الكلاسيكية، إذ لم يظهر بينهم وجه سياسي أو نقابي يمكن تصنيفه كزعيم. هذا الغياب أثار تساؤلات حول استمرارية الحركة وقدرتها على التوسع، لكنه في الوقت نفسه منحها دينامية خاصة: فهي جماعة شبابية لا تعترف بالتراتبية، تعتمد على التنسيق الرقمي اللحظي، وتتحرك كجسد افتراضي موحّد.
ياسين (23 سنة) أحد المشاركين قال لـ”عربي21″: “كنا نظن أن الاحتجاج عبر مواقع التواصل يكفي، لكن عندما رأينا آلاف المتابعين يرددون نفس المطالب، أدركنا أن لحظة النزول قد حانت”. أما سناء، طالبة هندسة من الدار البيضاء، فقد أكدت بعد اعتقالها لساعات: “نحن لا نطالب بإسقاط النظام، كل ما نريده هو إصلاح يضمن تعليما جيدا وصحة متاحة للجميع”.
مطالب الحركة تنوعت بين مجانية التعليم وضمان الرعاية الصحية، وصولا إلى توفير سكن اجتماعي للشباب، تحسين النقل العمومي، ومراقبة جودة المياه. أما في الجانب الاقتصادي، فقد دعا النشطاء إلى وضع سقف لأسعار المواد الأساسية، ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 4000 درهم (450 دولار تقريبا)، فضلا عن مكافحة الفساد باعتباره عائقا أساسيا أمام أي إصلاح.
الدولة في مواجهة جيل جديد
السلطات المغربية ردّت على هذه الاحتجاجات بالأسلوب التقليدي: تفريق المظاهرات بالقوة واعتقال العشرات، وهو ما اعتبره مراقبون دليلا على صدام ذهنية الدولة مع جيل رقمي لا ينتمي للمعادلات القديمة. رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في الرباط، حكيم سيكوك، أكد أنه “تم توقيف أكثر من 70 شخصا”، بينما أشارت مصادر أخرى إلى أن الإفراج عنهم يجري تدريجيا.
لكن هذا الإفراج لم يُفسَّر كخطوة تهدئة بقدر ما عُدّ “إشارة سياسية” تفيد بأن الدولة تدرك صعوبة الاستمرار في تجاهل هذا الجيل. الباحث الحقوقي الحسين بكار السباعي كتب قائلا: “إن مشاركة جيل Z في هذه الوقفات تعكس انتقالا نوعيا في أشكال التعبير، إذ لم يعد هذا الجيل مكتفيا بالاستهلاك، بل أصبح فاعلا في إنتاج خطاب اجتماعي سياسي جديد، يضع قضايا الصحة والتعليم في صلب أولوياته”.
بين الاستمرارية والتهديد بالتفكك
التحدي الأكبر الذي يواجه “جيل Z 212” هو غياب الهياكل المؤطرة. فبينما منحتهم الشبكات الرقمية قدرة سريعة على التعبئة، فإن ثقافة “التريند” قد تجعل هذه الحركة عرضة للانطفاء إذا لم يتم تحويل غضبها إلى مشروع مستدام. ومع ذلك، فإن رسائلهم الرقمية واضحة: “إما أن يُفتح حوار فعلي حول التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية، أو تستمر سيناريوهات القمع وما قد ينجم عنها من انفجارات اجتماعية لاحقة”.
هذا الوعي الجمعي يضع الدولة أمام مفترق طرق حقيقي. فإما أن تُدمج هذه الطاقات في إصلاحات بنيوية ومشاريع وطنية، أو تخاطر بإعادة إنتاج نفس دوامة القمع والتجاهل التي فجرت احتجاجات سابقة مثل “20 فبراير”. الفارق اليوم أن “جيل زد” أكثر ارتباطا بالشبكات العالمية وأكثر قدرة على صناعة رأي عام داخلي وخارجي، ما يعني أن قمعه قد يكلف الدولة ثمنا سياسيا مضاعفا.
الملكية في مواجهة سؤال الشرعية الاجتماعية
المظاهرات لم ترفع شعار “إسقاط النظام”، لكنها وضعت الدولة العميقة، وعلى رأسها المؤسسة الملكية، أمام سؤال استبدادها التاريخي. فالمطالب البسيطة مثل الصحة المجانية والتعليم اللائق تحولت إلى مرآة تعكس الفجوة بين خطاب الدولة حول “التنمية” وواقع شباب يشعرون بالتهميش. في ظل ذلك، بدا واضحا أن “جيل Z 212” لا يطلب امتيازات بقدر ما يطالب بحقوق أساسية هي شرط أي تعاقد اجتماعي جديد.
وإذا كان القصر الملكي اعتاد امتصاص الغضب الشعبي عبر الوعود أو المشاريع المؤقتة، فإن صعود حركة بلا قيادة ولا وسطاء حزبيين يجعل التعامل معها أكثر تعقيدا. فهي لا تقبل الصفقات الفردية ولا تخضع للترهيب، لأنها ببساطة حركة جماعية تتغذى من الفضاء الرقمي ومن إحساس عميق بالظلم الاجتماعي.
نحو أي مستقبل؟
ما يجري اليوم في المغرب ليس مجرد احتجاج شبابي عابر، بل بداية تحوّل في ميزان القوى الاجتماعية. “جيل Z” المغربي أثبت أنه قادر على فرض نفسه من خلف الشاشة إلى الشارع، وأنه لا يقبل أن يُختزل في صورة مستهلك للترفيه الرقمي.
الأسئلة المطروحة الآن: هل تستوعب الدولة هذه الطاقة وتفتح حوارا جديا مع الجيل الجديد؟ أم تستمر في منطق القمع والوعود المؤجلة؟ المؤكد أن استمرار تجاهل هذه المطالب البسيطة قد يفتح الباب أمام أشكال أكثر راديكالية من الاحتجاج مستقبلا.
اقرأ أيضًا : الرئيس الكولومبي بيترو بين الموقف الأخلاقي الداعم لفلسطين وخيانة الحكام العرب