في تطور خطير يعكس تصعيدًا نوعيًا في مسرح الحرب السودانية، استهدفت قوات الدعم السريع فجر الأحد عدة مدن بولاية النيل الأبيض جنوبي البلاد بطائرات مسيّرة انقضاضية، في محاولة واضحة لتوسيع رقعة المعارك خارج مناطق تمركزها التقليدية في إقليم دارفور وكردفان.
ووفق مصادر عسكرية تحدثت لقناة الجزيرة، فقد كانت مدينة كوستي، كبرى مدن الولاية ومقر الفرقة 18 مشاة، ضمن أبرز الأهداف التي حاولت المسيّرات استهدافها، إلى جانب مدن ربك وكنانة.
وأكدت المصادر أن الدفاعات الجوية التابعة للفرقة 18 كوستي نجحت في إسقاط عدد من هذه المسيّرات، التي حاولت استهداف مواقع حساسة، منها قاعدة الجيش الجوية بكنانة، ومقر الفرقة 18 بكوستي، إضافة إلى محطة كهرباء أم دباكر التحويلية بمدينة ربك، التي تُعد من أبرز منشآت البنية التحتية الحيوية بالولاية.
رغم هذا النجاح الدفاعي، فإن الهجوم يسلّط الضوء على انتقال الدعم السريع إلى تكتيك جديد يعتمد على الضربات الجوية المفاجئة لتعويض تراجع قواته ميدانيًا في عدة جبهات.

رسائل تكتيكية من الدعم السريع.. ومحاولة لتشتيت الجيش
استهداف النيل الأبيض تحديدًا لا يخلو من دلالات عسكرية وسياسية؛ إذ تقع هذه الولاية في قلب السودان وتُعد شريانًا حيويًا يربط العاصمة الخرطوم بمناطق الجنوب والغرب، كما تحتوي على منشآت صناعية وكهربائية ذات أهمية استراتيجية. ويبدو أن الدعم السريع يسعى من خلال هذه الضربات إلى تشتيت تركيز الجيش السوداني وفتح جبهات جديدة بعيدًا عن مناطق المعارك الرئيسية في دارفور وكردفان، في وقت يواجه فيه ضغوطًا عسكرية متزايدة على الأرض.
وتعكس هذه العمليات محاولة من الدعم السريع لتعويض خسائره الميدانية الأخيرة، خاصة في ولاية شمال كردفان حيث أعلن الجيش السوداني أمس السبت أنه صد هجومًا كبيرًا على تخوم مدينة الأبيض، وكبّد قوات الدعم السريع خسائر فادحة في الأرواح والعتاد خلال معارك عنيفة بمدينة كازقيل.
كما أكد الجيش أنه استعاد السيطرة على بلدة عد السدر، ما يمهّد للتقدم نحو مدينة جبرة الشيخ الاستراتيجية، وهو ما يعني اقتراب الجيش من قطع طرق الإمداد الحيوية لقوات الدعم السريع غربًا.
الفاشر تحت القصف مجددًا.. واستهداف ممنهج للمدنيين
في موازاة ذلك، لم تتوقف قوات الدعم السريع عن قصف المدن في دارفور، إذ أفادت مصادر عسكرية للجزيرة بأن 8 مدنيين أُصيبوا في قصف مدفعي طال أحياء سكنية والمستشفى السعودي بمدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور. ويعكس استهداف المستشفيات والمنشآت الصحية النمط المتكرر لانتهاكات الدعم السريع التي ترقى لجرائم حرب، وتكشف الطبيعة العشوائية وغير المنضبطة لهذه القوات التي تزرع الرعب في صفوف المدنيين لفرض واقع ميداني بالقوة.
وتشهد الفاشر منذ شهور حصارًا خانقًا يفرضه الدعم السريع، تسبب في انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية ونزوح عشرات الآلاف من السكان، بينما تتعرض الأحياء السكنية بشكل دوري لقصف مدفعي وصاروخي متكرر، في تكتيك يهدف لإضعاف المقاومة الشعبية والمدافعين المحليين عن المدينة تمهيدًا لاجتياحها. ويأتي هذا في وقت باتت فيه الفاشر آخر مدن دارفور الكبرى خارج سيطرة الدعم السريع، ما يجعلها هدفًا رئيسيًا له.
الإمارات.. المموّل الخفي لحرب تدمير السودان
ورغم الطابع المحلي الظاهري للصراع، إلا أن الدور الخارجي، وخاصة الإماراتي، يظل عنصرًا حاسمًا في استمرار الحرب ودمار السودان. فقد أشارت تقارير دولية متعددة إلى أن أبوظبي وفّرت قنوات تمويل وتسليح ودعم لوجستي لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، مستغلة علاقاتها التجارية والقبلية في إقليم دارفور لتسهيل تدفق الذهب السوداني إلى أسواقها مقابل المال والسلاح. هذا الدعم الإماراتي منح قوات الدعم السريع القدرة على الصمود وشن هجمات معقدة باستخدام طائرات مسيّرة متطورة ومدفعية ثقيلة رغم العقوبات الدولية المفروضة.
وتتهم دوائر حقوقية الإمارات بالعمل على إضعاف الدولة السودانية المركزية وتحويل السودان إلى مناطق نفوذ متناحرة، ضمن مشروع أوسع للهيمنة على البحر الأحمر وموارده، خصوصًا الموانئ السودانية في بورتسودان وسواكن. كما يُنظر إلى دعم أبوظبي لحميدتي على أنه رهان على رجل حرب يمكنه حماية المصالح الإماراتية في مناجم الذهب والنقل البري العابر للصحراء، بغض النظر عن الثمن الإنساني الباهظ الذي يدفعه المدنيون السودانيون.
هذا التدخل الخبيث جعل الإمارات شريكًا غير مباشر في جرائم الحرب التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، من مجازر التطهير العرقي في دارفور إلى حملات النهب المنظم والاغتصاب الجماعي والتجويع المتعمد. ويحمّل مراقبون أبوظبي مسؤولية إطالة أمد النزاع وعرقلة جهود السلام عبر تزويد طرف متمرّد بالموارد التي تمكّنه من الاستمرار في تدمير البلاد بدل الدخول في تسوية سياسية شاملة.
خاتمة: لا سلام دون كبح التدخل الإماراتي
تكشف الضربات الجوية الأخيرة على النيل الأبيض أن السودان يتجه إلى مرحلة جديدة من حرب الاستنزاف متعددة الجبهات، حيث لم تعد المواجهات محصورة في دارفور وكردفان بل بدأت تقترب من وسط البلاد ومناطقه الصناعية الحيوية. في المقابل، فإن مكاسب الجيش الميدانية في شمال كردفان تؤشر إلى قدرة متزايدة على استعادة المبادرة إذا ما حظي بدعم لوجستي وسياسي موحد من القوى الوطنية.
لكن أي حسم عسكري سيظل صعب المنال طالما استمر تدفق الدعم الخارجي للدعم السريع، خصوصًا من الإمارات، التي حولت الصراع إلى حرب بالوكالة لتحقيق مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية على حساب دماء السودانيين. لذا فإن ردع التدخلات الإقليمية، وفي مقدمتها الإماراتية، وإغلاق قنوات تمويلها العسكري يمثلان شرطًا أساسيًا لإنهاء الحرب، وفتح الطريق نحو تسوية سياسية توقف نزيف الدم وتعيد بناء الدولة السودانية على أسس وطنية قوية.
اقرأ أيضًا : كيف يكشف قمع السيسي تناقض تعليمات “الشو الإعلامي” بشأن المعتقلين؟