بقلم / أحمد محمد أحمد

سادت حالة من التفاؤل بين أسر عدد من المعتقلين السياسيين في مصر، عقب إعلان رئاسة الجمهورية دراسة ملفات ثمانية معتقلين، بينهم الناشط البارز علاء عبد الفتاح، المحبوس منذ عام 2019، تمهيدًا لإخلاء سبيلهم. وقد رأت عائلاتهم في هذه الخطوة “بارقة أمل” دفعتهم لتقديم التماسات جديدة للعفو عن ذويهم، خاصة وأن الرئيس عبد الفتاح السيسي وجّه النائب العام ووزارة الداخلية بدراسة التماس من المجلس القومي لحقوق الإنسان للإفراج عنهم.

وقد شجع هذا الإعلان نقابة الصحفيين على مطالبة النائب العام والمجلس القومي بإخلاء سبيل 19 صحفيا محبوسا، فيما دعا الحقوقي نجاد البرعي لإغلاق ملف الحبس الاحتياطي والإفراج عن الناشط محمد عادل والصحفي أشرف عمر. كما قدمت أسر معتقلين آخرين التماسات مشابهة، من بينهم المحامي خالد بدوي الذي طالب بالإفراج الصحي عن زوجته الحقوقية هدى عبد المنعم، المعتقلة منذ سبع سنوات رغم تدهور حالتها الصحية، وأسرة الرياضي أيمن موسى المحكوم بالسجن 15 عامًا منذ أحداث 2013.

ورغم موجة التفاؤل هذه، إلا أنها سرعان ما بدت متناقضة مع الواقع القاتم داخل السجون المصرية، الذي يتسم بممارسات قمعية وتنكيلية ممنهجة تتنافى تمامًا مع خطاب الرئاسة المتحدث عن “مراجعة حالات المعتقلين”.

قمع وتنكيل يفضح التناقض

في الوقت الذي تتحدث فيه الرئاسة عن احتمال الإفراج عن بعض المعتقلين، تتواصل في المقابل ممارسات قمعية وصفتها تقارير حقوقية بأنها “تحويل لحياة السجون إلى جحيم بأوامر مباشرة من السلطة”. وأحدث الأمثلة، ما كشفته “الشبكة المصرية لحقوق الإنسان” عن تعرض الحقوقي المعتقل محمد أبوهريرة، المحكوم بالسجن 15 عامًا منذ 2018، لتهديد صريح من ضابط بالأمن الوطني في سجن “بدر 3” بنقله إلى سجن “الوادي الجديد” ثم تصفيته جسديًا، إذا لم يُنهِ إضرابه عن الطعام المستمر منذ أسابيع، رغم منعه من الزيارة منذ أكثر من 8 سنوات.

وأكد الضابط وفقًا للشبكة أنه “مفوض من رئاسة الجمهورية بعزل جميع المعتقلين عن العالم الخارجي، وله صلاحيات واسعة لاتخاذ إجراءات عقابية لإجبارهم على فك إضرابهم”. ويشير مدير وحدة الرصد بالشبكة خالد محمود إلى أن استمرار الانتهاكات لسنوات طويلة بالمخالفة للقانون دفع العشرات لمحاولات انتحار، كما أدى لإضرابات جماعية عن الطعام تجاوزت الشهرين داخل سجن “بدر 3″، ما يهدد حياة مئات المعتقلين، خاصة من كبار السن.

ويرى محمود أن السلطات في “مأزق كبير” خصوصًا في ملف علاء عبد الفتاح الذي يواجه ضغوطًا بريطانية ودولية لإطلاق سراحه، موضحًا أن السلطات لجأت إلى التحايل على القوانين والتلاعب بالتواريخ لإطالة فترة حبسه، في نهج يعكس — بحسب قوله — “منطق النظام القائم على أن الورق ورقنا ومن يراجع خلفنا؟”.

حالات تكشف مأساة ممنهجة

تبرز حالات عدة تكشف التناقض بين خطاب الرئاسة وممارسات أجهزتها الأمنية. فبينما يحظى علاء عبد الفتاح بحملة ضغط دولية للإفراج عنه، يظل عشرات الآلاف من المعتقلين قيد الحبس الاحتياطي المطوّل دون مبرر قانوني، بعضهم تجاوزوا أقصى مدد الحبس الاحتياطي بسنوات، في ظروف احتجاز وصفتها المنظمات الحقوقية بأنها غير إنسانية.

ومن أبرز هذه الحالات، تهديد أبوهريرة بالتصفية الجسدية، وحرمانه التام من الزيارة، إضافة إلى استمرار احتجاز ستة من أقارب الإعلامي المعارض هشام عبد الله في سجون “الوادي الجديد” و”المنيا شديد الحراسة” في خطوة انتقامية واضحة. كما نقل حقوقيون شهادات مأساوية عن معتقلين خرجوا من السجن وهم يعانون إعاقات دائمة جراء التعذيب والإهمال الطبي، ليفارق بعضهم الحياة بعد شهور قليلة من الإفراج عنهم.

وفي موازاة ذلك، يواجه أكثر من 50 معتقلا أغلبهم من قيادات الإخوان خطر الموت في “بدر 3” بعد دخولهم شهرهم الثاني في الإضراب عن الطعام، فيما بعث الدبلوماسي المعتقل رفاعة الطهطاوي برسالة مسربة طالب فيها بتشكيل لجنة تقصي حقائق يرأسها محمد البرادعي، دون أي تجاوب من السلطات.

قمع السيسي واستغلال المؤسسات

تكشف هذه الوقائع أن سياسة القمع الأمني التي ينتهجها نظام السيسي تتناقض جذريًا مع خطاباته الشكلية عن احترام حقوق الإنسان، وأن الحديث عن “مراجعة حالات” لا يعدو كونه محاولة لتلميع الصورة أمام الخارج. فبدلًا من إطلاق سراح المعتقلين، تتزايد شكاوى التنكيل وسوء أوضاع السجون، وتتواصل الاعتقالات الجديدة، منها اعتقال المتحدث باسم الأهالي الرافضين لتهجير سكان طوسون بالإسكندرية، واعتقال الناشط السيناوي سعيد عتيق بسبب منشور ينتقد نفوذ رجل الأعمال إبراهيم العرجاني.

وبينما تواصل السلطات إخفاء مئات المعتقلين قسريًا — ومنهم البرلماني والطبيب المختفي منذ سبع سنوات مصطفى النجار — فإنها تسعى في الوقت نفسه لنيل عضوية مجلس حقوق الإنسان الأممي مجددًا، ما دفع 23 منظمة حقوقية مصرية ودولية للمطالبة بعدم التصويت لصالح مصر، متهمة النظام باستغلال عضويته السابقة للإفلات من المساءلة.

خاتمة: واقع يفضح الخطاب

في ضوء هذه الوقائع، تبدو توجيهات السيسي بالإفراج عن بعض المعتقلين مجرد واجهة دعائية لا تعكس أي تغيير حقيقي في نهج النظام القائم على القمع الأمني. فبينما يروّج النظام لصورته كحامٍ لحقوق الإنسان، تكشف السجون عن وجهه الحقيقي حيث “الداخل مفقود والخارج مولود”. وتبقى معاناة آلاف المعتقلين وذويهم شاهدة على التناقض الفج بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية التي تزداد قسوة يومًا بعد يوم.

اقرأ أيضًا : غارة إسرائيلية على عيتا الجبل تعيد التوتر الميداني وتضع خطة نزع سلاح حزب الله في الواجهة