في مشهد يعكس تغيّرا حذرا في المشهد السياسي السوداني المأزوم، أعلن رئيس الوزراء الجديد، كامل إدريس، حلّ الحكومة الانتقالية، متعهدا بتشكيل حكومة جديدة ذات أولويات واضحة على رأسها “بسط هيبة الدولة” و”القضاء على التمرد”. 

وجاء هذا التطور بعد ساعات من أدائه اليمين الدستورية أمام قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، وسط استمرار الحرب المدمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع المدعومة من دولة الإمارات.

أولوية الأمن والقضاء على التمرد

في أول خطاب له، لم يتردد إدريس في تسمية الأولوية القصوى: الأمن القومي، واستعادة سلطة الدولة، وإنهاء التمرد المسلح الذي تقوده قوات الدعم السريع بزعامة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، والتي تتلقى دعما لوجستيا وإعلاميا من أبوظبي.

وقال إدريس في كلمته “أولويتنا هي الأمن القومي السوداني، وبسط هيبة الدولة، والقضاء التام على التمرد والمليشيات المتمردة”، في إشارة واضحة إلى الحرب المستعرة منذ أبريل 2023 والتي أزهقت أرواح أكثر من 20 ألف شخص وشرّدت نحو 15 مليونًا، بينما تشير تقارير غير رسمية إلى أن العدد الحقيقي للضحايا قد يتجاوز 130 ألفًا.

وأعقب خطابه قرارًا عاجلًا بحل الحكومة الانتقالية الحالية، وتكليف الأمناء العامين ووكلاء الوزارات بتسيير الأعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة. ويبدو أن هذا الإجراء جاء في سياق فرض ترتيب إداري جديد، يتماشى مع أولويات المرحلة الأمنية والعسكرية، ويمنح رئيس الوزراء هامشًا أكبر لاختيار طاقم حكومي موالٍ للرؤية الجديدة في البلاد.

التحذير من التدخلات الخارجية.. والاتهام المباشر للإمارات

إدريس لم يكتف بالإشارة إلى التمرد الداخلي، بل هاجم بشكل غير مباشر الدول الداعمة له، حيث قال: “نحث الدول الداعمة للتمرد على التوقف عن التخطيط والتمويل والتعاون على تنفيذ ذلك”، في تلميح مباشر إلى الدور الإماراتي المثير للجدل.

وتواجه أبوظبي اتهامات متزايدة، من قوى سودانية ومصادر دولية، بتزويد قوات الدعم السريع بالسلاح والمال والتغطية السياسية، في محاولة لإعادة تشكيل السودان وفق مصالحها الإقليمية، وإجهاض أي خطوة نحو استعادة الدولة المركزية في الخرطوم.

وتأتي تصريحات إدريس في توقيت بالغ الحساسية، حيث تواجه حكومة السودان محاولات عرقلة لمسارها السياسي والعسكري من قوى إقليمية تسعى، كما تقول بعض المصادر، لتحويل السودان إلى ساحة نفوذ متنازع عليها. 

وترى أطراف سودانية أن الدعم الإماراتي للدعم السريع ليس مجرد مساندة لطرف داخلي، بل هو تدخل مباشر لإعادة إنتاج حكم غير ديمقراطي، وتفتيت وحدة السودان الجغرافية والسياسية، في تكرار لسيناريوهات مشابهة في اليمن وليبيا.

مؤهلات إدريس ورسائل المرحلة الجديدة

كامل إدريس ليس وجهاً جديداً على الساحة السودانية، فهو حاصل على دكتوراه في القانون الدولي من جامعة جنيف، وسبق أن ترشح للرئاسة عام 2010، ويمتلك خبرة واسعة في المؤسسات الدولية، من بينها عمله السابق مديرًا عامًا للمنظمة العالمية للملكية الفكرية. وبخطابه الأول، أراد أن يبعث برسائل تطمينية للشعب، مؤكدًا التزامه بـ”إنفاذ مبادئ العدالة والسلام وسيادة القانون والتنمية المستدامة”، والوقوف على مسافة واحدة من الجميع، في إشارة إلى عدم انحيازه لأي فصيل سياسي، مع استعداد لتبني حوار سوداني-سوداني شامل.

كما أنه تعهد ببناء حكومة كفاءات قائمة على المهنية، وليس على المحاصصة السياسية التي طبعت حكومات ما بعد الثورة، موضحًا أن المرحلة الحالية تتطلب قرارات جريئة وسريعة لإنقاذ البلاد من أزماتها المتعددة.

السياق السياسي وتحديات تشكيل الحكومة

منذ سقوط عمر البشير عام 2019، يعيش السودان في دوامة من الاضطرابات السياسية والفراغ الدستوري، زادت تعقيدًا مع انقلاب 2021، ثم تفجرت الأوضاع بشكل كارثي في أبريل 2023 حين نشب الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع. ومع غياب سلطة مدنية مستقرة، ظل الوزراء يديرون الدولة بتكليفات مؤقتة، في مشهد إداري مشوش، يفتقد إلى الشرعية والفعالية.

وفي هذا السياق، يُنتظر من الحكومة التي سيشكلها إدريس أن تنهي حالة “الفراغ المؤسساتي”، وتفرض نهجًا جديدًا يقوم على التنسيق الأمني والسياسي، مع اعتماد خطاب وطني جامع قادر على توحيد الصف الداخلي.

خاتمة: هل تملك الحكومة المقبلة أدوات المواجهة؟

حل الحكومة الحالية خطوة كبيرة، لكنها لا تكفي ما لم تتبعها سياسات حازمة على الأرض. فالحرب مع الدعم السريع لم تُحسم بعد، والدعم الخارجي للمليشيات لا يزال يتدفق، ما يضع الحكومة الجديدة أمام اختبار وجودي. وفي ظل الاتهامات الموجهة للإمارات بلعب دور سلبي في المشهد السوداني، فإن استمرار التغاضي الدولي عن هذا الدعم قد يُفرغ أي مبادرة وطنية من مضمونها.

سيكون على كامل إدريس ألا يكتفي بالشعارات، بل أن يقدم برنامجًا عمليًا لاستعادة الدولة، ووقف التمويل الخارجي للمليشيات، وتحقيق العدالة للضحايا. وحدها حكومة قوية، شرعية، تملك الدعم الشعبي، وتواجه التدخلات الأجنبية بشفافية، يمكنها إخراج السودان من نفقه الطويل.

اقرأ أيضًا : كارثة التجويع في غزة: الأونروا تحذر من مجاعة وشيكة وتطالب بإدخال 600 شاحنة مساعدات يوميًا