في ظلّ صمت دولي مطبق، ودعم إقليمي مشبوه، تتوالى الجرائم ضد المدنيين في السودان، وآخرها ما وصفه نشطاء بـ”المجزرة الجماعية” التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في ولاية شمال كردفان، والتي أودت بحياة نحو 300 شخص منذ يوم السبت الماضي.
وفي قلب المجزرة، تبدو قرية “شق النوم” رمزًا لمأساة شعب يُباد على مرأى ومسمع العالم، حيث قُتل فيها وحدها أكثر من 200 شخص، معظمهم حرقًا داخل بيوتهم.

المجزرة المروعة في شق النوم وود حامد: تفاصيل دامية
أعلنت “محامو الطوارئ”، وهي جماعة حقوقية سودانية مستقلة، أن قوات الدعم السريع شنت يوم السبت 13 يوليو 2025، هجومًا واسعًا على عدد من القرى المحيطة بمدينة بارا التي تسيطر عليها هذه القوات، في ولاية شمال كردفان.
وأكدت الجماعة أن أكبر المجازر وقعت في قرية شق النوم، حيث أحصت أكثر من 200 قتيل من المدنيين، قُتل معظمهم إما حرقًا وهم أحياء داخل منازلهم أو بإطلاق الرصاص المباشر.
وفي سياق متصل، وثقت الجماعة مقتل 46 مدنيًا آخرين في قرية “ود حامد”، بينهم نساء حوامل وأطفال، جراء هجوم وقع يوم الأحد 14 يوليو، نُفّذ بنفس الوحشية السابقة. وقد أشارت البيانات إلى استخدام مفرط للقوة ضد قرى مدنية لا تحتوي على أي أهداف عسكرية، في انتهاك فاضح للقانون الدولي الإنساني، ما يجعل هذه العمليات أقرب إلى جرائم إبادة جماعية منه إلى اشتباكات مسلحة.
شبكة أطباء السودان من جهتها، أكدت حصيلة ضحايا ود حامد، مشيرة إلى أنه تم دفنهم في مقابر جماعية في ظل غياب تام للمؤسسات القضائية أو أي رقابة إنسانية. ووصفت الهجوم بأنه “مجزرة بشعة تمثل امتدادًا لسلسلة من الانتهاكات الممنهجة التي ترتكبها قوات الدعم السريع بحق المدنيين في عدة مناطق من السودان”.
دور الدعم الإماراتي في تأجيج الحرب: بصمات لا تُمحى
في خضم هذه الجرائم، تتصاعد الأصوات الحقوقية التي تُحمّل دولة الإمارات العربية المتحدة جزءًا كبيرًا من المسؤولية، بسبب دعمها السياسي والمالي والعسكري لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). وتؤكد تقارير استخباراتية وإعلامية موثوقة أن الإمارات كانت ولا تزال الممول الأبرز للدعم السريع، عبر إرسال أسلحة عبر طرق غير شرعية، وتمويل عبر حسابات مصرفية تدار من الخارج، إلى جانب تسهيل نشاطات تهريب الذهب السوداني لتمويل الحرب.
هذا الدعم الإماراتي، الذي لطالما تم تقديمه تحت لافتة “التوازن السياسي” أو “محاربة الإسلاميين”، تحول إلى وقود مباشر لمجازر جماعية ترتكب بحق المدنيين العزل، وتهدف إلى إعادة تشكيل الخارطة السكانية والسياسية في السودان بما يخدم مصالح أبوظبي الإقليمية.
ولعل تصريحات سابقة لمسؤولين إماراتيين، تُبرز رغبة الإمارات في بناء نفوذ عسكري واقتصادي في غرب السودان، عبر وكلاء محليين مسلحين مثل الدعم السريع، تضعها في موقع الشريك في الجريمة، لا مجرد المراقب.
حرب الإبادة والصراع على الجغرافيا: بين الجيش والدعم السريع
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، أصبح السودان ساحة لمعركة وجودية تتقاطع فيها الحسابات المحلية والدولية. وفي حين يسيطر الجيش السوداني على معظم مناطق الوسط والشرق، تسعى قوات الدعم السريع لترسيخ نفوذها في الغرب، وخاصة في دارفور وكردفان، بما يمكّنها من إعلان أمر واقع في أي تسوية سياسية مستقبلية.
الهجمات الأخيرة في شمال كردفان لا تخرج عن هذا السياق، حيث تتعمد قوات الدعم السريع تهجير السكان قسرًا من مناطقهم، وتفريغها من المكوّنات السكانية التي لا تتبع لها قبليًا أو سياسيًا، في تكرار لسيناريو دارفور مطلع الألفية.
وقد وُثّقت عشرات الانتهاكات في مناطق مختلفة تحت سيطرة الدعم السريع، من نهب منظم إلى اغتصاب نساء، وقتل جماعي، ودفن في مقابر جماعية، وسط غياب تام لأي شكل من أشكال العدالة أو الردع.
صمت المجتمع الدولي والتواطؤ الإقليمي
على الرغم من وضوح الأدلة وعلنية المجازر، لا تزال الاستجابة الدولية هزيلة، تتراوح بين بيانات القلق والتنديد الروتيني. وقد ناشدت جماعة “محامو الطوارئ” وشبكة “أطباء السودان” الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي بضرورة إرسال لجان تقصي حقائق، وفرض عقوبات فورية على قيادة قوات الدعم السريع، خصوصًا في ظل تكرار الجرائم دون محاسبة.
في المقابل، لا تزال بعض العواصم –وعلى رأسها أبوظبي– تواصل دعمها لحلفائها في الميدان، غير آبهة بالأكلاف الإنسانية الكارثية، أو بتقويض أي مسار سلام حقيقي في السودان.
خاتمة: هل من نهاية للكارثة؟
مع دخول الحرب عامها الثالث، واستمرار الدعم الخارجي للميليشيات، تبدو المأساة السودانية متجهة نحو مزيد من التصعيد. فكل مجزرة جديدة دون عقاب، تفتح الباب أمام أخرى أشد فظاعة.
وبينما يُدفن ضحايا شق النوم وود حامد في مقابر جماعية، تُدفن معهم قيم القانون الدولي وحقوق الإنسان، في بلد ينزف على مرأى الجميع، وأيادٍ خارجية لا تزال تصب الزيت على النار.
اقرأ أيضًا : “الدعم السريع” يواصل جرائمه بتمويل إماراتي: 11 قتيلاً في هجوم على شمال كردفان