في تصعيد جديد يعكس الخلافات العميقة حول ترتيبات ما بعد الحرب في قطاع غزة، أعلنت الحكومة الإسرائيلية، اليوم الأحد، أنه “لن يتم نشر أي جنود أتراك” ضمن القوة متعددة الجنسيات التي يُفترض أن تحل محل الجيش الإسرائيلي، وفقًا لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء حرب الإبادة المستمرة منذ عامين.
وقالت المتحدثة باسم الحكومة الإسرائيلية، شوش بيدروسيان، خلال مؤتمر صحفي: “لن يكون هناك جنود أتراك على الأرض، هذا قرار نهائي”، في إشارة إلى رفض تل أبيب مشاركة أنقرة في أي ترتيبات أمنية داخل القطاع.
خطة ترامب.. قوة دولية تنتظر الولادة
تأتي هذه التصريحات بينما لا تزال خطة ترامب للسلام تواجه عقبات سياسية وقانونية كبيرة، إذ تنص على تشكيل قوة دولية مؤقتة لتأمين الاستقرار في غزة، تتولى تدريجيًا مسؤوليات الأمن والإدارة بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي، على أن تضم هذه القوة دولًا “موثوقة” حليفة لواشنطن وتتمتع بعلاقات مقبولة مع إسرائيل.
لكن هذه القوة لم ترَ النور بعد، بسبب خلافات حول تركيبتها وتفويضها من مجلس الأمن، إذ تطالب بعض الدول — مثل تركيا وقطر — بضرورة أن تكون القوة بتفويض أممي واضح لضمان شرعيتها الدولية، بينما ترفض إسرائيل أي مسعى يمنح الأمم المتحدة صلاحية الإشراف المباشر على القطاع.
وذكرت تقارير دبلوماسية أن الإمارات والسعودية دفعتا باتجاه استبعاد أنقرة من المشاركة، بدعوى أن الوجود التركي في غزة سيُعتبر “استفزازًا” لإسرائيل وقد يفتح الباب لتصعيد سياسي جديد داخل التحالف الدولي المفترض تشكيله.
أنقرة بين الطموح والدبلوماسية المقيدة
الرفض الإسرائيلي لم يأتِ من فراغ، إذ لطالما عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن عدائه لسياسات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يتبنى خطابًا داعمًا للمقاومة الفلسطينية ويهاجم الانتهاكات الإسرائيلية في غزة علنًا.
من جهة أخرى، سعت أنقرة في الأشهر الأخيرة إلى تسويق نفسها كوسيط سياسي وإنساني في الملف الفلسطيني، مقترحة المشاركة في إعادة إعمار غزة والإشراف على المساعدات الإنسانية عبر وكالة تركية خاصة.
غير أن هذه المساعي اصطدمت برفض إسرائيلي واضح، وسط تحركات خليجية — تقودها الإمارات تحديدًا — لتقليص نفوذ أنقرة في أي صيغة إقليمية تخص غزة.
وذكرت مصادر مطلعة لصحيفة هآرتس أن مسؤولين إماراتيين أجروا اتصالات مكثفة بواشنطن وتل أبيب لإقناعهما بضرورة “إبقاء الملف التركي خارج غزة”، مقابل استعداد أبوظبي لتحمّل جزء من التمويل اللازم لتأسيس القوة الدولية، وتوفير الدعم اللوجستي والإغاثي عبر شركاتها الخاصة.
واشنطن بين الحذر والبراغماتية
في المقابل، تحاول الإدارة الأميركية السير بين الخطوط، إذ صرح نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس الشهر الماضي بأن تركيا يمكن أن تلعب “دورًا بنّاءً في مرحلة ما بعد الحرب”، لكنه أكد في الوقت نفسه أن واشنطن لن تفرض على إسرائيل أي وجود أجنبي غير مرغوب فيه داخل غزة.
أما السفير الأميركي لدى تركيا، توم براك، فكان قد أشار في مؤتمر أمني عقد في المنامة مطلع الشهر الجاري إلى أن أنقرة “قد تشارك في المهمة الدولية” بصفة إنسانية أو لوجستية، في إشارة ضمنية إلى خلافات داخل الإدارة الأميركية نفسها بشأن طبيعة الدور التركي.
وبحسب مصادر دبلوماسية، تسعى واشنطن إلى تشكيل تحالف مرن يضم دولًا مثل مصر والأردن والإمارات والمغرب، لتأمين مناطق محددة من القطاع، بينما تتولى شركات أمنية خاصة — بعضها بتمويل خليجي — المهام اللوجستية والإغاثية.
الإمارات.. لاعب الظل في ترتيبات ما بعد غزة
في الوقت الذي تتحدث فيه إسرائيل عن “ضمانات أمنية”، تشير تحليلات إلى أن الإمارات تحاول إعادة هندسة المشهد السياسي في غزة بما يتوافق مع مصالحها الإقليمية.
فمنذ أشهر، كثفت أبوظبي اتصالاتها مع واشنطن وتل أبيب والقاهرة لإقناعهم بأن أنقرة لا يمكن الوثوق بها في مسألة أمنية بهذا الحجم، مدعية أن تركيا قد تستغل وجودها الميداني لتعزيز حضور حركة حماس أو تيارات قريبة من جماعة الإخوان المسلمين.
كما عرضت أبوظبي — وفق تقارير إعلامية — تولي مهام إعادة الإعمار والإغاثة عبر شركات إماراتية خاصة مثل “الهلال للمقاولات” و”ريد سي كابيتال”، في مقابل استبعاد تركيا من أي صيغة أمنية أو إدارية مباشرة داخل غزة.
ويقول مراقبون إن هذا الموقف يعكس سباق نفوذ إقليمي بين أنقرة وأبوظبي على من يقود ترتيبات ما بعد الحرب، خاصة بعد أن فشلت إسرائيل في فرض إدارة محلية خاضعة لها داخل القطاع، وفشل مشروع “غزة الجديدة” المدعوم من رجال أعمال إماراتيين في كسب دعم فلسطيني حقيقي.
غزة.. بين الرعاية الدولية والهيمنة الإقليمية
مع استمرار الجدل حول طبيعة القوة الدولية المنتظرة، يبدو أن الطريق لا يزال طويلاً أمام أي حل فعلي يعيد الاستقرار إلى قطاع غزة. فالمشروع الأميركي يواجه رفضًا من قوى فلسطينية رئيسية، مثل حماس والجهاد الإسلامي، التي تعتبر أن أي وجود أجنبي سيكون “غطاءً للاحتلال”، بينما تواصل إسرائيل وحلفاؤها السعي لترتيب “إدارة ما بعد الحرب” على مقاسهم.
وفي ظل غياب توافق أممي واضح، وتحول غزة إلى ساحة اختبار لتوازنات القوى بين واشنطن وأنقرة وأبوظبي وتل أبيب، يبدو أن الصراع لم يعد فقط على الأرض، بل على من يملك حق إدارة ما تبقى منها.
الخلاصة: رفض إسرائيل نشر قوات تركية في غزة لا يعكس فقط موقفًا أمنيًا، بل هو تعبير عن صراع جيوسياسي متشابك، تسعى فيه الإمارات لفرض حضورها كلاعب مهيمن في مرحلة ما بعد الحرب، فيما تحاول تركيا الحفاظ على دورها الإقليمي المهدد بالتهميش في واحدة من أكثر ساحات الشرق الأوسط حساسية وتعقيدًا.
اقرأ أيضًا : لوموند: قوات الدعم السريع تسابق الزمن لإخفاء آثار جرائمها في الفاشر