تواصلت في محافظة السويداء جنوب سوريا فصول الأزمة الأمنية المتفجرة، بعدما شهدت خلال الأيام الماضية مواجهات مسلحة دامية بين مجموعات درزية محسوبة على الزعامة التقليدية بزعامة الشيخ حكمت الهجري، وعشائر بدوية قُتل وجرح خلالها العشرات، بينهم جنود من قوات النظام السوري.
وبينما تتصاعد مؤشرات تورط خارجي – خاصة من قبل الإمارات وإسرائيل – في دعم تلك الميليشيات الدرزية الخارجة عن سلطة الدولة، تسابق الحكومة السورية الزمن لتثبيت هدنة مؤقتة، بدأت بإجلاء الجرحى والمحتجزين، في محاولة لاستعادة زمام الأمور، وسط رفض ضمني من القيادات المحلية لعودة مؤسسات الدولة بشكل كامل.

السويداء تحت الحصار.. و”تهجير داخلي” للعائلات البدوية
أجليت، الاثنين، عائلات بدوية كانت محتجزة لدى ميليشيات درزية تابعة لما يُعرف بـ”حماية الكرامة” المقربة من الشيخ الهجري، بعد أيام من احتجازهم في مناطق متفرقة من السويداء، على خلفية الاشتباكات التي اندلعت منذ 13 تموز/يوليو بين الطرفين.
وقد أعلنت وزارة الداخلية السورية نجاح قوى الأمن الداخلي في إعادة الهدوء إلى مناطق التوتر، خصوصًا في الأحياء الشمالية والغربية من المدينة، حيث نفّذت انتشارًا أمنيًا واسعًا للمرة الأولى منذ سنوات.
وأكد العميد أحمد الدالاتي، قائد قوى الأمن الداخلي في السويداء، أن الوساطة الحكومية أثمرت بالإفراج عن العائلات البدوية، وضمان عودتهم الآمنة إلى مناطقهم.
واعتبر الدالاتي أن هذه الخطوة تأتي ضمن “خريطة طريق” لتثبيت وقف إطلاق النار، تمهيدًا لعودة مؤسسات الدولة، وبسط الأمن وضبط السلاح المنتشر خارج سلطة الحكومة.
هدنة هشة بانتظار اختبار الصمود.. ورفض شعبي رسمي للوفد الوزاري
ورغم النجاحات الأولية في التهدئة، إلا أن مظاهر الرفض الشعبي – خاصة من الشيخ حكمت الهجري – تشير إلى هشاشة هذا الاتفاق، خصوصًا بعد أن منعت الميليشيات المحلية دخول وفد حكومي رسمي يضم ثلاثة وزراء ومحافظ السويداء، كانوا يرافقون قافلة مساعدات إنسانية وطبية.
واضطرت القافلة إلى دخول المحافظة دون مرافقة الوفد الرسمي، في مشهد يعكس استمرار غياب سيطرة الدولة السورية على جزء كبير من المحافظة.
وفي هذا السياق، أصدرت وزارة الخارجية السورية بيانًا غاضبًا دانت فيه الحادثة، متهمة ما وصفته بـ”ميليشيات مسلحة خارجة عن القانون” بمنع الوفد من أداء مهامه، محذّرة من تداعيات أمنية خطيرة، لا سيما مع استمرار تعطيل إيصال المساعدات الإنسانية وغياب سلطة الدولة.
الدعم الخارجي.. الإمارات وإسرائيل في خلفية المشهد
ما يزيد المشهد تعقيدًا هو ما تسرّب من تقارير استخباراتية ودبلوماسية خلال الشهور الماضية، تفيد بتلقي بعض الفصائل المسلحة في السويداء دعمًا لوجستيًا وماديًا من الإمارات وإسرائيل، في محاولة للعب بورقة الأقليات، وتحديدًا الدروز، للضغط على الحكومة السورية وإبقاء الجنوب السوري منطقة رخوة أمنيًا.
وتتحدث مصادر ميدانية عن تزويد الإمارات لتلك المجموعات بعربات دفع رباعي وتجهيزات اتصال، إلى جانب تمويل إعلامي عبر منصات درزية تبث من أبو ظبي. أما إسرائيل، فترتبط منذ عقود بعلاقات استخباراتية مع بعض الزعامات الدرزية، وقد استغلت التوترات الأخيرة لتعزيز نفوذها الأمني في المنطقة عبر دعم غير مباشر لبعض المليشيات بذريعة “حماية الأقليات”.
ويرى مراقبون أن هذا الدعم الخارجي ساهم في بقاء بعض الزعامات الدرزية على موقفها المتصلب تجاه الدولة، ورفضهم دخول القوات النظامية أو الوفود الرسمية، في وقت تسعى فيه دمشق إلى إعادة ترميم سلطتها في عموم الجنوب، وخصوصًا بعد إخفاقات متتالية في درعا والقنيطرة.
محاولات لتطويق الفوضى.. ولكن الطريق لا تزال طويلة
في خضم هذا التعقيد، تعمل الحكومة السورية على ثلاث مسارات متوازية: تثبيت وقف إطلاق النار، إجلاء الجرحى والمحتجزين من الطرفين، وتوسيع الحضور المؤسسي في المناطق المنكوبة.
وقد أعلنت وزارة الداخلية أن انتشارها الحالي هو “خطوة أولى” لضبط السلاح العشوائي وإعادة هيكلة الفضاء الأمني في المحافظة، تمهيدًا لمرحلة تبادل الأسرى وعودة الحياة تدريجيًا إلى طبيعتها.
في المقابل، تحذر منظمات حقوقية من مغبة تجاهل الوضع الإنساني المتدهور في مناطق الاشتباك، لاسيما بعد انهيار البنية الصحية ومحدودية الوصول إلى مراكز الإيواء. كما أن رفض بعض القيادات المحلية للتعاون مع الدولة قد يعرقل إدخال مزيد من المساعدات الإنسانية، ويهدد بانفجار الوضع مجددًا.
خاتمة: الهدنة اختبار للدولة.. والتحريض الخارجي مستمر
لا يمكن النظر إلى التطورات في السويداء بمعزل عن التحولات الجيوسياسية في الجنوب السوري، ولا عن الدور التخريبي لبعض القوى الإقليمية التي ترى في الأقليات ورقة ضغط على دمشق. وبينما تبذل السلطات جهودًا لاحتواء النزاع، فإن الدعم الخارجي المتواصل – خصوصًا من الإمارات وإسرائيل – يهدد بزعزعة الهدوء الهش، ويضع تحديات أمام استعادة الدولة لوظائفها الأمنية والخدمية في المحافظة.
ومع ذلك، فإن نجاح الحكومة في تنفيذ عمليات الإجلاء وضبط الوضع الميداني يعطي إشارة إيجابية، يمكن البناء عليها، شريطة أن يترافق ذلك مع جهود سياسية حقيقية لدمج جميع مكونات المحافظة تحت سقف الدولة، ومحاسبة كل من تورط في أعمال مسلحة خارج القانون، بغض النظر عن طائفته أو موقعه.
اقرأ أيضًا : هدوء هش في السويداء.. وقف إطلاق نار سوري وعودة الأمن وسط اتفاق غامض مع إسرائيل