في تطور لافت يعكس تصاعد الغضب الشعبي والرسمي في أوروبا من سياسات الاحتلال الإسرائيلي، أعلنت بلدية برشلونة الإسبانية يوم الجمعة رسميًا قطع علاقاتها مع الحكومة الإسرائيلية وتعليق اتفاقية “الصداقة والتوأمة” الموقعة مع مدينة تل أبيب منذ عام 1998.
القرار أتى بعد تصويت مجلس المدينة بالأغلبية، بدعم من الحزب الاشتراكي الحاكم وعدد من الأحزاب اليسارية والمستقلة، وسط تزايد المطالبات بوقف التطبيع مع إسرائيل على خلفية الجرائم المستمرة في الأراضي الفلسطينية، وخاصة في قطاع غزة.
رئيس بلدية المدينة، الاشتراكي جاومي كولبوني، أوضح أن القرار جاء بعد تقييم “مستوى المعاناة والموت الذي شهدته غزة خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية”، معتبراً أن العلاقات مع حكومة نتنياهو لم تعد مقبولة أخلاقياً ولا إنسانياً.
وأضاف كولبوني: “الاستمرار في العلاقات مع تل أبيب بينما تستمر إسرائيل في هجماتها المتكررة وجرائمها في غزة والضفة يعكس خيانة للقيم الإنسانية التي تأسست عليها مدينتنا”.
وشمل القرار تعليق التعاون المؤسسي مع الحكومة الإسرائيلية الحالية، وكذلك التوصية بعدم استضافة أجنحة حكومية إسرائيلية أو شركات أسلحة في معارض المدينة، وعلى رأسها معرض برشلونة الشهير. كما تم النظر في توصية إضافية تتعلق بمنع السفن المتورطة في نقل الأسلحة إلى إسرائيل من الرسو في ميناء برشلونة، رغم أن مثل هذه الخطوة تتجاوز صلاحيات المجلس البلدي.

تاريخ من التضامن.. وسجال سياسي مستمر
ليست هذه المرة الأولى التي تخطو فيها بلدية برشلونة باتجاه وقف العلاقات مع إسرائيل.
ففي فبراير/شباط 2023، أقدمت العمدة السابقة آدا كولاو، وهي ناشطة يسارية معروفة، على تعليق العلاقات مع تل أبيب احتجاجاً على الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين. غير أن هذا القرار ألغي لاحقًا بعد فوز كولبوني في الانتخابات، في محاولة لإعادة صياغة سياسة المدينة الخارجية بشكل أكثر براغماتية.
لكن ما ميّز القرار الجديد هو شموليته، إذ لم يكتف فقط بتجميد العلاقات الدبلوماسية مع بلدية تل أبيب، بل توجه إلى اتخاذ تدابير عملية ضد الكيانات الاقتصادية التي يُعتقد أنها تربح من الحرب والاحتلال، كشركات صناعة الأسلحة ومراكز التسويق والدعم اللوجستي.
ويتزامن هذا الموقف مع تغيرات على المستوى الوطني الإسباني، حيث أعلنت الحكومة الاشتراكية بقيادة بيدرو سانشيز في 28 مايو/أيار 2024 اعترافها الرسمي بدولة فلسطين، بالتنسيق مع أيرلندا والنرويج، ما شكّل صفعة دبلوماسية قوية لإسرائيل أثارت غضب حكومتها، خاصة بعد أن تعهد سانشيز بمواصلة الضغط على الاحتلال حتى يمتثل للقانون الدولي.
سانشيز، الذي بات من أبرز المنتقدين لحكومة نتنياهو داخل الاتحاد الأوروبي، لم يتردد في وصف الحكومة الإسرائيلية بـ”المنعزلة والفاشية”، وهو موقف أثار استياء العواصم الداعمة لتل أبيب، ولكنه لقي ترحيبًا واسعًا في الأوساط الحقوقية والمجتمع المدني في أوروبا والعالم العربي.
تحول في المزاج الأوروبي.. وبوادر عزلة لإسرائيل
التحرك الذي قادته برشلونة يندرج ضمن سلسلة متنامية من المبادرات الأوروبية التي تعبّر عن تحول في المزاج السياسي العام تجاه إسرائيل.
فمع استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة، وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا، تزايدت الأصوات في المدن الأوروبية الكبرى لقطع العلاقات مع المؤسسات الإسرائيلية، وفرض عقوبات على الشركات المتورطة في دعم الاحتلال.
في هذا السياق، تشكل خطوة برشلونة جزءًا من حركة ضغط شعبي، تقودها منظمات المجتمع المدني، والنقابات، والمؤسسات الأكاديمية، لدفع الحكومات الأوروبية لتغيير سياساتها تجاه إسرائيل.
وبات واضحًا أن الرأي العام الأوروبي، وخاصة في إسبانيا، لم يعد يتسامح مع ممارسات الاحتلال، خصوصًا في ظل انتشار صور المجازر والمجاعة والدمار في غزة عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل.
وفي المقابل، تصر إسرائيل على وصف هذه القرارات بأنها “معادية للسامية”، محاولة تصوير أي انتقاد لسياستها على أنه هجوم على اليهود كديانة، وهي استراتيجية لم تعد تقنع الكثير من السياسيين الأوروبيين الذين يميزون اليوم بشكل أوضح بين انتقاد الاحتلال ودعم حقوق الإنسان.
الآثار المحتملة: صدام دبلوماسي وتصعيد اقتصادي؟
من غير المستبعد أن تثير خطوة برشلونة ردود فعل إسرائيلية غاضبة، سواء من خلال التنديد الرسمي أو عبر اتخاذ خطوات انتقامية على مستوى العلاقات التجارية والسياحية، خاصة أن إسرائيل تستثمر منذ سنوات في بناء علاقات اقتصادية مع المدن الأوروبية.
كما أن قطع العلاقات على مستوى البلديات، وإن بدا رمزياً، قد يؤدي إلى تآكل تدريجي في شبكة العلاقات الدبلوماسية الناعمة التي بنتها تل أبيب داخل أوروبا.
كذلك، فإن الحرج سيكون شديدًا على الحكومات العربية المطبعة مع إسرائيل، والتي لا تزال صامتة تجاه الجرائم المرتكبة في غزة والضفة.
فبينما تبادر بلدية أوروبية لقطع العلاقات مع الاحتلال، لا تزال بعض العواصم العربية تستقبل المسؤولين الإسرائيليين وتفتح مجالات التعاون الأمني والاقتصادي.
خاتمة: عندما تتقدّم المدن على الدول
قرار برشلونة يكشف عن دور متنامٍ للمدن الكبرى في صياغة مواقف أخلاقية على الساحة الدولية. ففي وقت تفشل فيه بعض الحكومات في اتخاذ خطوات جادة ضد الاحتلال، تنبري البلديات ومجالس المدن للقيام بما يعجز عنه السياسيون المتورطون في الحسابات الجيوسياسية.
وربما تمثل خطوة برشلونة شرارة جديدة لحراك أوسع في أوروبا، يعيد وضع فلسطين على أجندة الضمير العالمي.
فهل تشهد المرحلة المقبلة مزيدًا من المدن الأوروبية التي تنضم إلى هذا المسار؟ وهل يمكن أن يؤدي الضغط المحلي من البلديات والمجتمعات إلى تغيير في السياسات الدولية الكبرى؟ سؤال تطرحه المرحلة، وإجابته بدأت تتشكل من برشلونة.
اقرأ أيضًا : من قلب الأقصى إلى غزة.. مستوطنون يُجاهرون بدعوات الإبادة وبناء الهيكل وسط صمت دولي مريب