في مشهد جديد من مشاهد الانتهاك الممنهج لحرمة المسجد الأقصى، تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقطعًا صادمًا لمستوطنة إسرائيلية تُحرض علنًا، من داخل باحات المسجد، على بناء ما تسميه “الهيكل المزعوم” مكان المسجد الأقصى، معتبرة أن “الاضطراب” في الموقع ناتج عن وجوده “تحت سيطرة المسلمين”.
المقطع، الذي أثار غضبًا واسعًا، لم يتوقف عند حدّ الانتهاك الديني والرمزي، بل كشف أيضًا عن نوايا إبادة صريحة، حيث ظهرت المستوطِنة وهي تقول إنها لطالما حرّضت على “إبادة أطفال غزة”، معتبرة أن إزالة الأقصى يعني “محو رمز الدولة الفلسطينية وأملها”، مما سيُمهّد – حسب زعمها – لما وصفته بـ”النصر الإسرائيلي الكامل”.
هذه التصريحات العنصرية لم تأتِ بمعزل عن سياق أوسع من التصعيد؛ إذ شهد يوم الاثنين الماضي اقتحام مئات المستوطنين المتطرفين للبلدة القديمة في القدس، في ما يُعرف بـ”مسيرة الأعلام” التهويدية، حيث رفعوا شعارات عنصرية ورددوا هتافات من قبيل: “الموت للعرب” و”سنحرق قريتكم”، في تكرارٍ لمشاهد العنف اللفظي والجسدي التي ترافق هذا الحدث سنويًا.
شهود عيان أفادوا بأن المستوطنين اعتدوا على عدد من الفلسطينيين بالضرب، من بينهم رجل مسن، وألحقوا أضرارًا بمحلات تجارية، كما حاولوا الاعتداء على نساء فلسطينيات اضطررن إلى الاحتماء داخل المنازل. ووسط هذا المشهد، أمعن المتطرفون في الأداء الاستفزازي، عبر الرقص في شوارع الحي الإسلامي وتوجيه إشارات بذيئة تجاه النساء.
هذا التصعيد يأتي في ظل تزايد الاقتحامات المنظمة للمسجد الأقصى منذ عام 2003، حين قررت شرطة الاحتلال، بشكل أحادي، فتح باب المغاربة أمام المستوطنين في انتهاك فاضح للوضع التاريخي والقانوني القائم في الحرم الشريف. وخلال هذه الاقتحامات، يؤدي المتطرفون طقوسًا تلمودية علنية، مما يشكل استفزازًا لمشاعر المسلمين ومحاولة واضحة لفرض أمر واقع جديد داخل المسجد.
دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية، طالبت مرارًا بوقف هذه الاقتحامات التي تنتهك حرمة المسجد وتناقض الاتفاقيات الدولية، لكن السلطات الإسرائيلية تواصل تجاهل هذه المطالب، في ظل غياب موقف حازم من المجتمع الدولي.
ويحذر مراقبون من أن هذه الاعتداءات المتكررة – التي باتت تشمل تحريضًا صريحًا على إبادة جماعية – تكشف عن أبعاد أكثر خطورة تتجاوز مسألة “الاستفزاز”، لتضعنا أمام مشروع ممنهج لتهويد القدس، وتصفية الوجود الفلسطيني دينيًا وثقافيًا وإنسانيًا، في ظل تجاهل دولي يُشكّل تواطؤًا ضمنيًا مع الاحتلال.
تحليل المشهد
إن تكرار مشاهد التحريض من داخل الأقصى على الإبادة وبناء الهيكل، يكشف أن إسرائيل لم تعد تحرص حتى على تغليف مشروعها الاستيطاني برداء سياسي أو أمني، بل باتت تُطلق العنان للغة دينية متطرفة تحوّل الصراع إلى “حرب مقدسة” ذات أبعاد كارثية، خاصة على مستقبل القدس والأقصى وغزة.
ويبقى السؤال: إلى متى يستمر الصمت العربي والدولي أمام مشاهد تُجاهر بالدعوة إلى الإبادة من قلب المسجد الأقصى؟ وهل أصبح تهويد القدس مشروعا مكتمل الأركان ينتظر فقط تمريره رسميًا أمام أنظار العالم؟
اقرأ أيضا: غزة أكثر الأماكن جوعًا.. الاحتلال يرتكب جريمة إبادة والعرب يتواطؤون بالصمت