في واحدة من أبشع صفحات الحرب السودانية، كشفت ثلاث ناجيات من مدينتي الجنينة وأردمتا في إقليم دارفور الغربي، عن قصص حيّة توثّق استخدام الاغتصاب كسلاح ممنهج تمارسه ميليشيا الدعم السريع بحق النساء، وسط صمت دولي وتواطؤ إقليمي تتصدره دولة الإمارات الداعمة سياسيًا وعسكريًا لهذه الميليشيا، بحسب تقارير أممية وحقوقية متواترة.

الناجيات الثلاث، اللواتي ظهرن ضمن برنامج “المسافة صفر” على الجزيرة مع إخفاء هوياتهن، لم يروين قصصًا فردية معزولة، بل شهادات متطابقة تكشف نمطًا منظّمًا من العنف الجنسي، ارتبط بالسيطرة الميدانية لميليشيا الدعم السريع على أحياء كاملة في الجنينة وأردمتا، وتحويل المنازل إلى ساحات إذلال جماعي تحت تهديد السلاح.

اغتصاب أمام الأسرة.. كسر متعمّد للكرامة

تقول الناجية الأولى، التي اختارت اسم “ربا”، إن مسلحين يرتدون زي قوات الدعم السريع اقتحموا منزل عائلتها في الثامن من يونيو/حزيران 2023، واعتدوا على الجميع بالضرب قبل أن يُقتادَت قسرًا إلى غرفة منفصلة. هناك، تعرضت للاغتصاب أمام صراخ والدتها وعجز إخوتها وجيرانها الذين وُضعوا جميعًا تحت تهديد السلاح.
لم يكن الهدف مجرد الاعتداء الجسدي، بل تحطيم البنية النفسية للأسرة والمجتمع معًا. بعد انتهاء الجريمة، خرجت “ربا” لتجد أفراد عائلتها منحنين خزيًا، فصرخت في وجه المعتدي مطالبةً إياه بقتلها، لأنها – كما تقول – “لن تستطيع العيش بعد ما حدث”. هذه اللحظة تختصر فلسفة الاغتصاب كسلاح: القتل المعنوي للضحية وإخضاع الجماعة بأكملها.

استهداف قبلي واعتداء جماعي

الناجية الثانية “ضحى”، من أردمتا، تكشف بوضوح البعد القبلي للجريمة. أثناء بحثها عن زوجها المختفي في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، سألها مسلح عن قبيلتها. ولإدراكها أن قبيلة المساليت مستهدفة، ادعت الانتماء إلى قبيلة أخرى. لكن المسلح لم يصدقها، فضربها بفأس على رقبتها وأسقطها أرضًا.
جرّها أربعة مسلحين إلى منزل مهجور واغتصبوها جماعيًا. وعندما استفاقت، وجدت طفليها يحاولان سترها بثوب. لاحقًا، تفرّق أطفالها وتشردوا، في صورة مأساوية تكشف كيف لا يدمّر الاغتصاب جسد المرأة فقط، بل يفكك الأسرة ويخلق موجات نزوح وصدمات طويلة الأمد.

“مصيدة” مسلحين وتكرار المأساة

أما “ليلى”، فتروي كيف وقعت في ما يشبه كمينًا أثناء زيارة لمنزل خالتها. مع هجوم مباغت لميليشيا الدعم السريع، أمسك بها مسلح من عنقها وأجبرها على اتباعه. وعندما سُئلت عن هويتها القبلية، أنكرتها خوفًا وادعت أنها من قبيلة الفور، رغم أنها من المساليت.
تناوب ثلاثة مسلحين على اغتصابها، فيما تولى اثنان الحراسة. وتختم “ليلى” شهادتها بالإشارة إلى أنها كانت قد نزحت سابقًا من منطقة كريندك بعد عنف 2020، لتجد نفسها ضحية مرة أخرى. التكرار هنا ليس صدفة، بل نتيجة غياب المحاسبة واستمرار الميليشيا في فرض سلطتها بالعنف الجنسي.

قرائن قانونية وإنكار مفضوح

هذه الشهادات لا تقف وحدها. تقارير أممية، بينها بيانات لمنظمة أطباء بلا حدود، تؤكد تقديم الرعاية الصحية لمئات حالات العنف الجنسي في دارفور خلال الفترة الأخيرة، غالبيتها لنساء وفتيات، وبينهن قاصرات دون العاشرة.
وعندما وُوجه المستشار القانوني لقوات الدعم السريع بهذه الشهادات، جاء الرد في إطار الإنكار واعتبار الجرائم “تصرفات فردية”. غير أن تطابق الروايات، وتكرار الأسلوب، والبعد القبلي، وانتشار الجرائم في مناطق سيطرة الميليشيا، كلها عناصر تُسقط رواية “الحوادث الفردية” وتؤكد الطابع المنهجي.

مسؤولية أبوظبي والمساءلة الغائبة

لا يمكن فصل هذه الجرائم عن شبكة الدعم الإقليمي، وعلى رأسها الإمارات، التي وفّرت لميليشيا الدعم السريع غطاءً سياسيًا وموارد مكّنتها من الاستمرار. الصمت الدولي، والتعامل البراغماتي مع الجناة، سمحا بتحويل أجساد النساء إلى ساحة حرب مفتوحة.
إن قصص “ربا” و“ضحى” و“ليلى” ليست مجرد شهادات إنسانية، بل أدلة أخلاقية وقانونية على جريمة حرب مكتملة الأركان. ومع استمرار الإفلات من العقاب، يبقى السؤال معلقًا: إلى متى يُسمح لميليشيا مدعومة إقليميًا باستخدام الاغتصاب كسلاح، دون محاسبة حقيقية؟

اقرأ أيضًا : كيف انهار التحالف السعودي–الإماراتي في اليمن؟ صراع الغنائم يطفو على السطح