لم ينهر التحالف بين المملكة العربية السعودية والإمارات في اليمن فجأة، ولم يكن نتاج سوء تفاهم عابر أو خطأ تكتيكي محدود، بل جاء تتويجًا لمسار طويل من التنافس الخفي، قبل أن ينفجر علنًا عندما اصطدمت المصالح، وتحوّل ما سُمّي يومًا “تحالفًا” إلى صراع مكشوف على النفوذ والغنائم.
مع التمدد العسكري للفصائل الانفصالية المدعومة إماراتيًا نحو حضرموت والمهرة في ديسمبر الماضي، سقطت آخر أوراق التوت التي كانت تخفي طبيعة العلاقة الحقيقية بين الرياض وأبوظبي.

تحالف الضرورة… لا تحالف الرؤية
منذ انطلاق التدخل العسكري في اليمن عام 2015، قدّمت السعودية والإمارات نفسيهما كحليفين في مواجهة الحوثيين، لكن واقع الحال كشف مبكرًا أن الطرفين لم يشتركا في رؤية واحدة لليمن ولا لمستقبله.
بالنسبة للرياض، كان الهدف الأساسي يتمثل في تأمين الحدود الجنوبية، ومنع قيام كيان معادٍ على خاصرتها، والحفاظ – ولو شكليًا – على دولة يمنية موحدة قابلة للتفاوض. أما أبوظبي، فتعاملت مع اليمن كساحة نفوذ مفتوحة، ومخزن جغرافي للسيطرة على الموانئ والسواحل والجزر، وبوابة لتعزيز حضورها في البحر الأحمر وباب المندب.
هذا التباين لم يكن نظريًا، بل تُرجم عمليًا عبر بناء الإمارات شبكة مليشيات محلية خارج إطار الدولة، أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي، وتحويلها إلى أداة للسيطرة الميدانية، بعيدًا عن أي التزام بوحدة اليمن أو بشرعيته المعترف بها دوليًا. في المقابل، غضّت السعودية الطرف طويلًا، طالما بقيت هذه التحركات ضمن “الهامش المقبول” الذي لا يمس أمنها المباشر.
لحظة الانفجار: عندما وصلت النار إلى الخاصرة
تغيّر المشهد جذريًا عندما قررت أبوظبي نقل مشروعها من إدارة نفوذ في الجنوب إلى محاولة فرض وقائع جديدة في حضرموت والمهرة، وهما منطقتان تمثلان عمقًا استراتيجيًا للسعودية، ومنفذًا جغرافيًا حساسًا على بحر العرب وحدودها الشرقية. هنا، لم تعد المسألة خلافًا على وكلاء محليين أو ترتيبات أمنية، بل تحولت إلى تهديد مباشر لمعادلة الأمن الإقليمي السعودي.
التعامل الإماراتي مع التحذيرات السعودية اتسم بقدر كبير من الاستعلاء السياسي. تجاهلت أبوظبي رسائل التهدئة، وواصلت دعمها العسكري للمجلس الانتقالي، بل ذهبت أبعد من ذلك بإرسال شحنات سلاح في توقيت فُهم في الرياض على أنه رسالة تحدٍ لا لبس فيها. عند هذه النقطة، انهارت القنوات الدبلوماسية التي طالما استُخدمت لاحتواء الخلافات، لأن جوهر الصراع لم يعد قابلًا للتدوير.
صراع غنائم لا شراكة مبادئ
ما تكشّف لاحقًا هو أن التحالف لم يكن قائمًا على مبادئ مشتركة، بل على تقاطع مؤقت للمصالح. وعندما حان وقت تقاسم الغنائم، برز التناقض الحقيقي: السعودية تريد يمنًا “مضبوطًا” أمنيًا حتى لو كان هشًا سياسيًا، بينما تريد الإمارات يمنًا مفككًا، تُدار أجزاؤه عبر وكلاء يضمنون لها السيطرة على الموانئ، والجزر، وخطوط الملاحة.
من هذا المنظور، يصبح انهيار التحالف نتيجة منطقية، لا حدثًا مفاجئًا. فحين شعرت الرياض أنها تُدفع قسرًا لتفكيك اليمن، وأن اسمها يُستخدم غطاءً لمشروع لا يخدم إلا طموحات أبوظبي، اتخذت قرار القطيعة. إنهاء اتفاقيات، طلب خروج القوات الإماراتية، ودعم عمليات عسكرية أنهت نفوذ ميليشيا المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة، كلها خطوات حملت رسالة واضحة: التحالف انتهى لأن قواعده انهارت.
سقوط الوكلاء وانكشاف الرعاة
الهزيمة السريعة للفصائل المدعومة إماراتيًا في الشرق، ثم التحرك نحو عدن، كشفت هشاشة المشروع الإماراتي عندما يُسحب عنه الغطاء السعودي. كما أن حلّ المجلس الانتقالي – بغض النظر عن الجدل حول طبيعته – عكس حقيقة أن الوكيل بلا راعٍ قوي يصبح عبئًا لا أصلًا سياسيًا.
في المحصلة، لم يكن ما جرى صراعًا من أجل اليمن، بل صراعًا عليه. صراع بين قوتين إقليميتين تعاملتا مع بلد منهك كساحة تقاسم نفوذ، لا كدولة ذات سيادة. وحين تضاربت حسابات الغنائم، سقط “التحالف” كما يسقط أي عقد مصلحة مؤقتة: بلا أسف، وبلا مواربة، تاركًا اليمنيين مرة أخرى أمام كلفة صراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل.
اقرأ أيضا : المجلس الانتقالي الجنوبي باليمن يعلن حلّ نفسه وكافة هيئاته