يتواصل النزيف الإنساني في السودان بوتيرة مقلقة، مع تصاعد العمليات العسكرية واتساع نطاق الاستهداف المباشر للمدنيين، حيث قُتل نحو 100 مدني منذ بداية الشهر الجاري، بينهم عشرات الأطفال، وفق معطيات أممية. هذا التصعيد يعكس انهيارًا شبه كامل لأي ضوابط تحكم الصراع، في حرب بات المدنيون وقودها الأساسي، وسط اتهامات متزايدة لميليشيا “الدعم السريع”، المدعومة إماراتيًا، بارتكاب مجازر ممنهجة.

نزوح هجليج.. النفط في قلب المعركة

في واحدة من أخطر تداعيات التصعيد، أعلنت السلطات السودانية وصول 1850 نازحًا من منطقة هجليج بولاية غرب كردفان إلى مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض، بعد رحلة نزوح شاقة استمرت 9 أيام. وذكرت وكالة الأنباء السودانية “سونا” أن 337 أسرة جرى تسكينها مؤقتًا في استراحة السكة الحديد، في ظل إمكانيات محدودة لتأمين الغذاء والإيواء.

ويأتي هذا النزوح عقب سيطرة “الدعم السريع” على منطقة هجليج وحقلها النفطي في 8 كانون الأول/ديسمبر، في خطوة تكشف بوضوح أن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل صراعًا على الموارد الاستراتيجية، إذ تنتج هجليج نحو 50% من الخام السوداني، وتمثل شريانًا حيويًا لتصدير نفط جنوب السودان.

طائرات مسيّرة تحصد الأرواح

كشف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك عن مقتل ما لا يقل عن 104 أشخاص، بينهم 43 طفلًا، جراء هجمات متعددة بطائرات مسيّرة في إقليم كردفان منذ الرابع من الشهر الجاري. وأعرب تورك عن قلقه البالغ من تصاعد وتيرة القتال، خاصة مع استهداف منشآت مدنية حساسة.

وأشار المفوض الأممي إلى أن الهجمات طالت مستشفيات، وروضات أطفال، بل وحتى قاعدة تابعة للأمم المتحدة، في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، دون أن يعلن صراحة الجهة المسؤولة، رغم أن طبيعة العمليات ونمطها يضعان “الدعم السريع” في دائرة الاتهام.

استهداف الأمم المتحدة والقطاع الصحي

في السياق ذاته، أدان المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس الهجوم الذي استهدف مركز الدعم اللوجستي التابع لقوات الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة (يونيسفا) في مدينة كادوقلي بجنوب كردفان. وأكد غيبريسوس أن استهداف المنشآت الأممية والعاملين في المجال الإنساني يمثل خطًا أحمر، داعيًا إلى توفير الحماية للعاملين في القطاع الصحي والإغاثي.

هذا الاستهداف يعكس مستوى خطيرًا من الانفلات الأمني، حيث لم تعد حتى الأمم المتحدة بمنأى عن نيران الصراع، في ظل عجز دولي عن فرض أي التزامات على أطراف الحرب.

السودان يتصدر قائمة الدول المنكوبة

بالتوازي مع التصعيد الميداني، تصدّر السودان مجددًا قائمة مراقبة الأزمات الإنسانية العالمية التي تصدرها لجنة الإنقاذ الدولية، للعام الثالث على التوالي. وتضم القائمة 20 دولة تواجه أخطر الأزمات الإنسانية، إلا أن السودان جاء في المرتبة الأولى، بوصفه أكبر أزمة إنسانية مسجلة في العالم حاليًا.

وقال الرئيس التنفيذي للجنة ديفيد ميليباند إن ما يجري في السودان ليس كارثة طبيعية أو أزمة عابرة، بل نتيجة مباشرة لتقاعس المجتمع الدولي، وسياسات خاطئة سمحت باستمرار العنف، بل وشجعت أطرافًا إقليمية على لعب أدوار مدمرة.

معارك كردفان وتوسّع نفوذ “الدعم السريع”

تشهد ولايات إقليم كردفان الثلاث اشتباكات عنيفة منذ أسابيع بين الجيش السوداني وميليشيا “الدعم السريع”، ما تسبب في نزوح عشرات الآلاف. وتأتي هذه المعارك في إطار سعي الميليشيا لتوسيع سيطرتها على المناطق الغنية بالموارد، لا سيما النفط.

وليست هذه المرة الأولى التي تُتهم فيها “الدعم السريع” باستهداف البنية النفطية، إذ سبق اتهامها بشن هجوم بطائرات مسيّرة على محطة معالجة بترول جوبا في الجبلين خلال تشرين الثاني/نوفمبر، ما أدى إلى توقف مؤقت لتصدير نفط جنوب السودان.

حرب بلا أفق وصمت دولي مريب

من أصل 18 ولاية سودانية، تسيطر “الدعم السريع” على ولايات دارفور الخمس تقريبًا، فيما يفرض الجيش نفوذه على بقية الولايات، بما فيها الخرطوم. غير أن هذا الواقع العسكري لا يخفي الحقيقة الأهم: السودان ينزلق نحو تفكك شامل، في ظل حرب تُدار بمال وسلاح خارجي، تتصدره الإمارات، بينما يدفع المدنيون وحدهم ثمن الصراع.

اقرأ أيضًا : إجرام الاحتلال يتخفّى بالعمل الإنساني: إسرائيلي يحتال بمعاناة أطفال السرطان على متبرعين حول العالم