منذ أسابيع، يشهد مسار المفاوضات بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والوسطاء حالة جمود غير مسبوقة، خصوصاً بعد محاولة الاغتيال الفاشلة التي استهدفت وفد الحركة التفاوضي في العاصمة القطرية الدوحة، مطلع الشهر الجاري. 

وفي ظلّ تصريحات أمريكية متكررة عن وجود تقدم أو مقترحات جديدة، أكدت الحركة أنّها لم تتلقَ أي مبادرات رسمية حتى اللحظة، ما يعكس وجود فجوة بين التصريحات الغربية وبين الواقع الفعلي على الأرض.

 

جمود المفاوضات بعد محاولة الاغتيال

بحسب بيان مقتضب صدر عن الحركة، فإن المفاوضات متوقفة منذ التاسع من الشهر الجاري، أي منذ محاولة الاغتيال التي وُصفت بأنها استهدفت تعطيل الجهود السياسية والدفع بالأطراف نحو مزيد من التصعيد. وأوضحت الحركة أنها لم تتسلم أي مقترحات جديدة من الوسطاء، سواء من قطر أو مصر أو حتى الولايات المتحدة، مؤكدة في الوقت ذاته استعدادها لدراسة أي مبادرات تُعرض عليها “بكل إيجابية ومسؤولية”، شرط أن تحفظ الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

هذا الإعلان يعكس بوضوح حجم التحديات التي تواجه أي مسار سياسي في ظلّ استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة، حيث لا تبدو بيئة التفاوض مهيأة لتحقيق تقدم ملموس، لا سيما بعد استهداف وفد تفاوضي في سابقة وصفت بأنها محاولة لكسر أي جسر للوساطة.

تصريحات ترامب ومحاولة صناعة مشهد سياسي

في المقابل، يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تولى منصبه قبل ثمانية أشهر، إلى إظهار نفسه كعرّاب اتفاق محتمل في غزة. فقد أعلن للصحفيين يوم الجمعة قائلاً: “يبدو أننا توصلنا إلى اتفاق بشأن غزة”، لكنه لم يقدم أي تفاصيل عن فحوى الاتفاق أو عن الأطراف الموقعة عليه، كما لم يحدد أي جدول زمني لتنفيذه.

ترامب تحدث عن محادثات “مكثفة” مع قادة دول عربية وإسلامية، مؤكداً أن “إسرائيل” و”حماس” على علم بتلك المحادثات، وأن المفاوضات ستستمر “طالما كان ذلك ضرورياً”. وحرص على تسويق ما وصفه بخطة سلام من 21 نقطة قدّمها مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف، خلال لقاءات جانبية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

إلا أن حماس لم تُشر لا من قريب ولا بعيد إلى تلقيها مثل هذه المقترحات، وهو ما يثير الشكوك حول جدية تصريحات ترامب، أو حتى حول استخدامها لأغراض سياسية داخلية أكثر من كونها مبادرات عملية قابلة للتنفيذ.

فجوة بين الواقع والتصريحات

المفارقة الأساسية تكمن في أن تصريحات ترامب حول “اتفاق وشيك” تأتي في وقت تؤكد فيه الحركة أنّها لم تتلقَ أي أوراق جديدة. هذا التناقض يعكس إما انعدام التنسيق بين واشنطن والوسطاء، أو محاولة أمريكية لرسم صورة إعلامية تعكس تقدماً غير موجود فعلياً.

ولعل ما يعزز هذا الاحتمال هو أن إدارة ترامب سبق وأن تعهدت بإنهاء الحرب بشكل سريع، لكن بعد مرور ثمانية أشهر من توليه السلطة، لا تزال الحرب مشتعلة، بل تتوسع رقعتها يوماً بعد يوم. كما أن محاولاته المتكررة لتقديم نفسه كـ”صانع سلام” تبدو حتى الآن مجرد تصريحات انتخابية لا تجد ترجمة عملية على الأرض.

انعكاسات الجمود على الواقع الميداني

هذا الجمود السياسي يترك آثاره مباشرة على الواقع الميداني في غزة. فاستمرار العدوان الإسرائيلي وما يرافقه من حصار خانق يجعل أي فرصة لتخفيف المعاناة الإنسانية مرهونة بتحرك سياسي جاد. عدم وجود مقترحات واضحة يعني عملياً استمرار نزيف الدم والدمار، في وقت تحذر فيه الأمم المتحدة من كارثة إنسانية غير مسبوقة.

كما أن انعدام الثقة بين الأطراف، خاصة بعد محاولة الاغتيال الفاشلة، يضعف من احتمالات التوصل إلى تسوية في المدى القريب. فحماس ترى أن استهداف وفدها رسالة مباشرة بأن هناك أطرافاً لا تريد نجاح أي مسار تفاوضي، في حين تستخدم “إسرائيل” الحرب وسيلة لفرض شروطها بالقوة.

بين مسار سياسي غائب وضغوط دولية متزايدة

رغم توقف المفاوضات، تتزايد الضغوط الدولية لوقف الحرب، خاصة مع تكرار التقارير عن الجرائم والانتهاكات في غزة. لكن غياب مقترحات ملموسة واستمرار التلاعب السياسي، سواء عبر تضخيم تصريحات أمريكية أو عبر محاولات “إسرائيل” فرض وقائع على الأرض، يجعل المشهد أكثر تعقيداً.

وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن حماس تحاول إرسال رسالة مزدوجة: فهي من جهة تؤكد استعدادها للتجاوب مع أي مبادرات تحفظ الحقوق الفلسطينية، ومن جهة أخرى تكشف للرأي العام حجم الهوة بين الواقع الفعلي وبين ما يُروّج له على لسان ترامب وإدارته.

خلاصة

إعلان حماس عدم تلقيها أي مقترحات جديدة منذ محاولة الاغتيال الفاشلة، يقوّض السردية الأمريكية عن وجود “اتفاق وشيك”. وبينما يسعى ترامب لتسويق نفسه كصانع سلام، يبقى المشهد السياسي متجمداً، والعدوان الإسرائيلي مستمراً، والوضع الإنساني في غزة يزداد سوءاً.

المعادلة الحالية تكشف أن أي حديث عن تسوية لا يمكن أن يتحقق بمجرد تصريحات إعلامية أو خطط غير معلنة، بل يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية وضمانات تحفظ للشعب الفلسطيني حقوقه، وهو ما لم يتوفر حتى اللحظة.

بهذا، تظل الفجوة واسعة بين خطاب البيت الأبيض وبين موقف حماس والواقع الميداني في غزة، لتؤكد أن نهاية الحرب لا تزال بعيدة، وأن أي حل سياسي جدي يحتاج إلى أكثر من “21 نقطة” تطرح في الكواليس دون أن تجد طريقها إلى الأطراف المعنية.

اقرأ أيضًا : قوات الاحتلال تفجّر منزل الشهيد مثنّى عمرو: سياسة انتقامية تكشف إجرام الاحتلال