في مشهد بات يتكرر بصورة مثيرة للقلق، أقدمت شرطة العاصمة البريطانية لندن، السبت، على اعتقال 55 شخصًا خلال مسيرة نظمتها حركة “فلسطين أكشن” أمام مبنى البرلمان، وذلك احتجاجًا على دعم بريطانيا المتواصل لإسرائيل في حربها الدموية ضد غزة. 

وبحسب بيان الشرطة على منصة “إكس”، فإن المتظاهرين تجمعوا في ساحة البرلمان ولوّحوا بلافتات وأعلام فلسطينية، في تعبير سلمي عن رفضهم للعدوان الإسرائيلي المستمر، قبل أن تُباغتهم قوات الأمن بالاعتقال الجماعي.

تأتي هذه الاعتقالات بعد أيام فقط من إصدار الحكومة البريطانية قرارًا بتصنيف حركة “فلسطين أكشن” كجماعة إرهابية بموجب قانون مكافحة الإرهاب، في خطوة أثارت انتقادات واسعة واعتُبرت انتكاسة خطيرة لحرية التعبير والتظاهر في بلد لطالما تفاخر بديمقراطيته العريقة.

 

الحظر السياسي.. تجريم التضامن مع فلسطين

قرار الحكومة البريطانية بحظر “فلسطين أكشن” مطلع يوليو/تموز الجاري، لم يكن قرارًا قانونيًا محضًا، بل كان ذا طابع سياسي بامتياز، يهدف إلى إسكات أي صوت معارض للدعم البريطاني غير المشروط لإسرائيل، رغم ما ترتكبه من جرائم حرب ومجازر جماعية في غزة منذ أكتوبر 2023.

وقد برّرت الحكومة الحظر بأن الحركة خرقت القانون بعد اقتحامها قاعدة سلاح الجو الملكي وإلحاق أضرار بطائرتين حربيتين احتجاجًا على تسليح إسرائيل. لكن الرد الرسمي كان مبالغًا فيه؛ إذ اعتُبر الانضمام للحركة جريمة يُعاقب عليها بالسجن لمدة تصل إلى 14 عامًا، وهو مستوى عقاب لا يُطبق حتى على جماعات اليمين المتطرف.

تجريم التضامن مع الفلسطينيين لم يتوقف عند الحظر، بل تجاوزه إلى تنفيذ حملات اعتقال متكررة طالت العشرات من أنصار “فلسطين أكشن” في أنحاء بريطانيا، رغم أن احتجاجاتهم لم تكن سوى تعبير سلمي عن الغضب تجاه سياسات بريطانيا الخارجية، التي تنحاز بشكل صارخ إلى جانب الاحتلال الإسرائيلي.

بريطانيا.. انحياز معلن وتاريخ أسود

إن تعامل الحكومة البريطانية مع حركة “فلسطين أكشن” لا يمكن فصله عن الانحياز التاريخي لبريطانيا تجاه إسرائيل، وهو انحياز بدأ منذ وعد بلفور عام 1917، مرورًا بدور لندن في ترسيخ نكبة الفلسطينيين، وصولًا إلى التسليح المتواصل للجيش الإسرائيلي رغم الإدانات الدولية المتزايدة.

ومنذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة، وثقت منظمات حقوقية ودولية تزايد الدعم البريطاني لإسرائيل سياسيًا وعسكريًا، بما في ذلك تزويدها بأجزاء تدخل في صناعة الطائرات والطائرات بدون طيار والأسلحة التي تُستخدم في قصف المدنيين. وفي المقابل، ترفض لندن مجرد الدعوة لوقف إطلاق النار، وتقوم بقمع الأصوات التي تطالب بإنهاء الإبادة الجماعية، كما حدث مع النشطاء الذين أُعتقلوا السبت.

واللافت أن من بين المعتقلين في مسيرة ساحة البرلمان نساءً ورجالًا ارتدوا الكوفية الفلسطينية ورفعوا الأعلام الفلسطينية، في رسالة رمزية تؤكد الارتباط الأخلاقي والإنساني بالقضية الفلسطينية، لكن بريطانيا لم تتردد في اعتقالهم، لتؤكد أن رمزية الكوفية باتت تزعجها أكثر من القنابل التي تُسقط على رؤوس الأطفال في غزة.

“فلسطين أكشن”: صوت المقهورين الذي أرادوه صامتًا

تأسست حركة “فلسطين أكشن” قبل سنوات كحركة ناشطة في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين، واعتمدت استراتيجية تستهدف مؤسسات الصناعات العسكرية البريطانية، مثل شركة “إلبيت سيستمز”، التي تُعد المورد الأول لإسرائيل في مجال الطائرات المسيرة والأسلحة الإلكترونية. وقد نفذت الحركة عشرات الحملات الاحتجاجية السلمية، من اقتحام لمقرات الشركات إلى التظاهر في الطرقات ومباني الجامعات.

ورغم تعرض أعضائها للاعتقال والمحاكمات، فإن الحركة نجحت في تسليط الضوء على التورط البريطاني في دعم جرائم الاحتلال، ما أدى إلى انسحاب بعض الشركات من التورط في بيع السلاح لإسرائيل أو إلى تقليص تعاملها معها.

ووصفت الحركة قرار الحظر الأخير بأنه “استبدادي”، وأكدت أنها ستطعن في القرار أمام المحكمة العليا في لندن الاثنين المقبل، في خطوة قانونية تهدف إلى إعادة الاعتبار لحرية التعبير وحق الاحتجاج.

خاتمة: الديمقراطية تختنق باسم “مكافحة الإرهاب”

إن اعتقال 55 شخصًا لمجرد ارتدائهم الكوفية ورفعهم الأعلام الفلسطينية في ساحة عامة، يفضح التوجه السلطوي الذي تنحدر إليه بريطانيا شيئًا فشيئًا، حيث يُجرّم التعبير عن التضامن الإنساني باسم قوانين مكافحة الإرهاب. وفي الوقت الذي تزعم فيه لندن أنها تدافع عن الديمقراطية والحرية حول العالم، فإنها في الداخل تُسكت الأصوات المناصرة للعدالة، وتُهادن الاحتلال الذي يرتكب يوميًا مذابح في غزة.

قرار المحكمة العليا المنتظر يوم الاثنين سيكون اختبارًا حقيقيًا لمدى صمود القضاء البريطاني أمام تغول السلطة السياسية، ومدى إيمانه بأن دعم الفلسطينيين لا يجب أن يُعتبر تهمة، بل واجبًا إنسانيًا.

اقرأ أيضًا : زهران ممداني في مرمى نيران اللوبي الصهيوني: هل يعيد مسلم أمريكي رسم ملامح الديمقراطيين في نيويورك؟