في الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات حول العالم لوقف الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الفلسطينيون في غزة، تقف الحكومة البريطانية موقفاً مريباً يتسم بالتواطؤ والدعم غير المباشر – وأحياناً المباشر – للاحتلال الإسرائيلي.

ليس فقط عبر استمرار تصدير الأسلحة أو التراخي في إدانة الجرائم ضد المدنيين، بل أيضاً عبر قمع كل من يجرؤ على التعبير عن رفضه لتلك الجرائم.

صوت الشعب يُقمع.. والحكومة تُمعن في التواطؤ

الممثلة البريطانية البارزة “جولييت ستيفنسون” أطلقت في مقال نشرته صحيفة الغارديان صرخة مدوية، تعبّر فيها عن إحباطها المتزايد من موقف الحكومة البريطانية تجاه حرب غزة. ستيفنسون، التي انضمت للآلاف من المتظاهرين المطالبين بوقف المجازر ودعم الفلسطينيين، رأت كيف تُقمع هذه التحركات السلمية، وتُصنّف منظمات مثل “بالستاين آكشن” كـ”إرهابية” لمجرد مشاركتها في احتجاجات سلمية ضد شركات تصنيع السلاح التي تزود إسرائيل.

ولم يكن هذا القمع قاصراً على التنظيمات، بل شمل الأفراد أيضاً، حيث تعرّضت ستيفنسون نفسها للتهديد بالملاحقة القانونية بعد مشاركتها في تجمع سلمي أمام مبنى هيئة الإذاعة البريطانية. وقد روت كيف تم استدعاؤها للتحقيق، وتهديدها بالتهم، لمجرد وضع الزهور عند باب المؤسسة الإعلامية، في إشارة رمزية للاحتجاج على تغطيتها المنحازة للعدوان.

عسكرة القانون لصالح شركات السلاح

ما يزيد من خطورة هذا التوجه هو أن الحكومة البريطانية باتت تستخدم تشريعات مكافحة الإرهاب لإسكات المعارضين، وليس لمحاربة الإرهاب الحقيقي. قانون الإرهاب لعام 2000، وقانون الشرطة لعام 2022، يمنحان السلطات صلاحيات غير محدودة لقمع المحتجين واعتقالهم بتهم فضفاضة، مثل “تعطيل النظام العام” أو “إلحاق ضرر بالممتلكات”.

لكن الواقع أن هذه القوانين تُستخدم في خدمة شركات الأسلحة، لا حماية المواطنين. فشركة “لوكهيد مارتن” البريطانية، على سبيل المثال، تساهم في تصنيع أجزاء من مقاتلات F-35 التي قصفت غزة بلا رحمة. وعلى الرغم من إعلان الحكومة أنها أوقفت بعض مبيعات الأسلحة لإسرائيل، فإنها أبقت على إعفاء خاص لتلك الطائرات، مما يسمح باستمرار تدفق أدوات القتل عبر الولايات المتحدة. والنتيجة: آلاف القتلى، بينهم عدد مهول من الأطفال المبتوري الأطراف.

ولم تقف الحكومة عند هذا الحد، بل عقدت لقاءات رسمية مع مسؤولين في شركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية، التي تصنع الأسلحة داخل بريطانيا نفسها، من أجل “احتواء” حركة “بالستاين آكشن”، بدل الاستماع لمطالبها بوقف المشاركة في المجازر.

حملات التخويف والتشهير.. أدوات لطمس الحقيقة

في محاولة يائسة لتقويض مصداقية الحركة المناهضة للحرب، تسعى الحكومة البريطانية إلى تشويه سمعة منظمات مثل “بالستاين آكشن”، عبر تسريبات إعلامية تشير إلى تلقيها دعماً من إيران، وهي اتهامات بلا دليل، تهدف فقط لزرع الخوف في صفوف الناشطين وشيطنتهم في نظر الرأي العام.

لكن الحقيقة التي لا يمكن تغطيتها هي أن الغالبية العظمى من المحتجين، كما تؤكد ستيفنسون، هم مواطنون عاديون – من مختلف الأديان والأعراق – يشعرون بالغضب والذعر من حجم الإبادة التي يتعرض لها سكان غزة. بل إن العديد من المتظاهرين من أصول يهودية، عبّروا علناً عن رفضهم لجرائم الحكومة الإسرائيلية، وفزعهم من سياسات نتنياهو.

وبرغم ذلك، فإن الاتهامات الجاهزة بـ”معاداة السامية” تُسلّط على رؤوس المتظاهرين، في محاولة لإسكاتهم، حتى حين يكونون يهوداً أو متضامنين مع ضحايا حروب الاحتلال من منطلق إنساني بحت.

بريطانيا أمام مفترق طرق: إما العدالة أو التواطؤ

السؤال الذي يُطرح بقوة: لماذا تواصل بريطانيا دعم الاحتلال عسكرياً وسياسياً، بينما تدّعي أنها دولة ديمقراطية تدافع عن حقوق الإنسان؟ ولماذا تستخدم قوانين الإرهاب لمحاكمة من يرفع صوته ضد جرائم الإبادة، بدل أن تحاكم من يرتكبها؟

ما تفعله الحكومة البريطانية اليوم لا يقتصر على الدعم المادي لإسرائيل، بل يتعداه إلى التواطؤ في جرائم الحرب عبر صفقات السلاح، والصمت عن المجازر، وقمع المعارضين، وحماية شركات تصنيع أدوات القتل. بهذا السلوك، تنحدر بريطانيا إلى خانة الدول المتورطة في صراع دموي، رغم أنها لا تطلق فيه رصاصة واحدة.

إن استمرار هذا النهج سيجعل من بريطانيا شريكة في المحرقة الجارية بغزة، لا مجرد مراقب دولي. أما طريق الخلاص، فيبدأ بالاستماع إلى صوت الناس، لا إلى لوبيات السلاح. فالتاريخ لا يرحم، ومن يقف في صف القتلة، يُحاكم ولو بعد حين.

اقرأ أيضًا : واشنطن تُغرق الاحتلال بالسلاح: إدارة ترامب توافق على صفقة جديدة بـ510 ملايين دولار وسط حرب إبادة بغزة