بينما تستعد المملكة المتحدة لإبرام اتفاقية تجارية بقيمة 1.6 مليار جنيه إسترليني مع مجلس التعاون الخليجي، تزداد الانتقادات من منظمات حقوق الإنسان والنقابات العمالية البريطانية، في ظل تغييب متعمّد لملفات الانتهاكات الحقوقية، والعبودية الحديثة، وسوء أوضاع العمالة الأجنبية، خاصة في دول كالإمارات والسعودية والبحرين.
الاتفاق، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد “إنجازات” حكومة كير ستارمر بعد اتفاقيات مماثلة مع أمريكا والهند والاتحاد الأوروبي، يُصوَّر على أنه خطوة اقتصادية، لكنه في الحقيقة يعكس انحدارًا أخلاقيًا وتخليًا عن المبادئ الأساسية التي طالما تباهت بها بريطانيا كداعم مزعوم لحقوق الإنسان.

اتفاق بلا شروط: حين تسقط المبادئ أمام المصالح
تُعد الاتفاقية المرتقبة مع مجلس التعاون الخليجي نموذجًا فاضحًا لتحول بريطانيا من الشراكة المشروطة بالقيم إلى شراكة غير مشروطة بالمصالح. فبحسب تقرير الغارديان، تخلو الاتفاقية من أي التزامات قانونية واضحة بشأن حقوق الإنسان أو حماية البيئة أو حقوق العمال، على الرغم من السجل الكارثي لمعظم دول المجلس، خاصة السعودية والإمارات والبحرين، في هذه الملفات. تصريحات مسؤولي وزارة التجارة البريطانية كانت أوضح دليل على هذا التهاون، حين أكدت البارونة جونز أن “اتفاقيات التجارة الحرة ليست أداة فعالة لمعالجة قضايا حقوق الإنسان”.
هذا الخطاب الرسمي يعكس ليس فقط خضوعًا لضغوط المصالح الاقتصادية، بل تواطؤًا سياسيا مع أنظمة مستبدة تستغل العمالة الأجنبية، وتقمع الحريات، وتفرض سياسات قمعية لا تتوافق مع أبسط المعايير الدولية. ويبدو أن حكومة العمال الحالية اختارت أن تستكمل ما بدأته حكومة المحافظين، دون مراجعة للبعد الحقوقي، أو حتى الاستماع لمطالب الشارع البريطاني والنقابات العمالية.
الإمارات والسعودية والبحرين: سجل من القمع والانتهاكات
تتصدر الإمارات قائمة الدول الخليجية المنتهكة لحقوق العمال المهاجرين، خاصة في قطاعات البناء والخدمات.
ففي ظل نظام الكفالة، يُحتجز العامل فعليًا كرهينة لصاحب العمل، دون إمكانية لتغيير الوظيفة أو حتى مغادرة البلاد دون إذن. وهذا النظام، الذي وصفته هيومن رايتس ووتش بأنه “أرض خصبة للعبودية الحديثة”، يشمل ملايين العمال من آسيا وإفريقيا.
ولم تكن الإمارات وحدها، بل تشترك معها السعودية والبحرين والكويت في ممارسات مشابهة. فالعمال هناك غالبًا ما يُحرمون من الأجور، ويُسحب جواز سفرهم، ويُجبرون على العمل في ظروف قاسية دون أي حماية قانونية.
في الوقت نفسه، تواصل هذه الدول قمع الحريات السياسية، وسجن الناشطين الحقوقيين، ومنع تشكيل النقابات المستقلة.
من الصادم أن تغض بريطانيا الطرف عن هذه الممارسات، بل وتكافئ تلك الأنظمة باتفاق تجاري ضخم، دون حتى تضمين بند واضح وملزم لضمان الحد الأدنى من حقوق الإنسان.
وفي الوقت الذي تعلّق فيه لندن مفاوضاتها التجارية مع إسرائيل بسبب الجرائم ضد الفلسطينيين، فإنها تتعامل ببرود تام مع أنظمة خليجية تمارس القمع بشكل ممنهج، وتشارك في حروب وتدخلات كارثية، كما في اليمن والسودان.
هشاشة المكاسب الاقتصادية ومخاطر سياسية طويلة الأمد
حتى على المستوى الاقتصادي، تبدو الاتفاقية ضعيفة العوائد. فحسب الغارديان، من المتوقع أن تُضيف الاتفاقية أقل من 0.1% إلى الناتج المحلي البريطاني خلال العقد المقبل، مع إمكانية محدودة في قطاعي السيارات والخدمات المالية.
في المقابل، تُهدد الاتفاقية معايير العمل البريطانية، خاصة مع احتمالية إدخال منتجات زراعية مثل الدجاج بمعايير منخفضة في الرعاية الحيوانية.
وفي هذا السياق، حذر اتحاد المزارعين البريطانيين من أن الاتفاقية قد تفتح الباب لواردات رخيصة تؤثر على الإنتاج المحلي، في ظل تجاهل واضح لمعايير الرفق بالحيوان التي خضعت لها المزارع البريطانية مؤخرًا.
هذا التهاون قد يؤجج احتجاجات داخلية، ويهدد الثقة الشعبية في السياسات التجارية للحكومة، خاصة بعد ظهور نتائج استطلاعات رأي أظهرت أن 79% من البريطانيين يعارضون إبرام الاتفاقية دون ضمانات حقوقية.
علاوة على ذلك، تضع الاتفاقية بريطانيا في موقع تناقض دولي، حيث تتحدث في المحافل عن دعم حقوق الإنسان، بينما تتحالف اقتصاديًا مع أنظمة ترتكب انتهاكات ممنهجة. وهو ما قد يؤثر على مكانتها في الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، ويضعها في مواجهة منظمات دولية وحقوقية تضغط بالفعل على المملكة المتحدة لمراجعة سياساتها.
في الختام: تجارة بلا قيم.. وبريطانيا في مفترق طرق
لا يمكن فصل الاتفاقية التجارية بين بريطانيا ودول الخليج عن السياق الأخلاقي والسياسي العالمي. في زمن يُفترض فيه أن تتبنى الديمقراطيات الكبرى نموذجًا تجاريًا قائمًا على القيم، قررت لندن أن تسلك طريق التنازلات الرخيصة، متجاهلة معاناة الملايين من العمال، ومتواطئة مع أنظمة قمعية في الخليج.
الإمارات والسعودية والبحرين ليست شركاء تجاريين عاديين، بل أنظمة ترتكب انتهاكات ممنهجة، ويجب أن تكون العلاقة معها مشروطة بتحسينات واضحة وملزمة في مجال حقوق الإنسان.
أما استمرار بريطانيا في هذا النهج، فلن يؤدي فقط إلى ضرر سياسي داخلي وخارجي، بل سيساهم في إدامة أنظمة القمع والاستغلال في المنطقة.
الرهان اليوم ليس فقط على حجم التجارة، بل على شكل العالم الذي نريد أن نعيش فيه: هل هو عالم تُقدَّم فيه القيم على المصالح؟ أم عالم تباع فيه المبادئ في سوق الصفقات؟ يبدو أن حكومة كير ستارمر قد اختارت الإجابة الخطأ.
اقرأ أيضًا : أرامكو السعودية تقترض مجددًا لتعويض خسائر النفط.. لماذا ارتفعت ديون عملاق الطاقة؟