في خطوة وُصفت بأنها ضربة دبلوماسية موجعة لـ”إسرائيل”، كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية أن الحكومة البريطانية قررت حظر مشاركة ضباط جيش الاحتلال الإسرائيلي في برامج “الكلية الملكية لدراسات الدفاع” (RCDS) في لندن، بدءًا من العام المقبل، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ تأسيس الكلية عام 1927.
القرار يأتي في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي خلّفت حتى الآن أكثر من 64 ألف شهيد و164 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء، وسط حصار خانق ومجاعة أودت بحياة 422 فلسطينيا بينهم 145 طفلا، وفق وزارة الصحة في غزة.
![]()
الكلية الملكية: معقل النخبة العسكرية البريطانية يرفض استضافة الاحتلال
الكلية الملكية لدراسات الدفاع تُعد من أبرز المؤسسات الأكاديمية العسكرية البريطانية التي تخرّج كبار القادة العسكريين والدبلوماسيين، وتركّز على ملفات الأمن القومي والدولي وصناعة القرار الاستراتيجي. ومنذ عقود، اعتادت “إسرائيل” إرسال ضباط رفيعي المستوى سنويًا إلى هذه المؤسسة، بهدف تأهيلهم ضمن منظومة النخب العسكرية الغربية، وهو تقليد دبلوماسي غير مكتوب ضمن شبكة التعاون الأمني بين لندن وتل أبيب.
لكن هذه العلاقة الأكاديمية ـ الأمنية تشهد الآن قطيعة غير مسبوقة، ما يُشير إلى تغير في المزاج السياسي البريطاني تجاه “إسرائيل”، خاصة في ظل تنامي الضغوط الشعبية والحقوقية في بريطانيا ضد الحرب على غزة، وازدياد الدعوات لمحاسبة قادة الاحتلال على جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية.
قرار سياسي بامتياز.. ومؤشر على تغيّر بوصلة لندن
الصحيفة العبرية نقلت عن مصادرها أن القرار البريطاني اتُّخذ على خلفية استمرار “إسرائيل” في حرب الإبادة على غزة، ورفضها القاطع الامتثال لقرارات محكمة العدل الدولية بوقف المجازر وفتح المعابر لإدخال المساعدات الإنسانية. كما يأتي القرار في وقت تشير فيه تقديرات إلى أن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يدرس الاعتراف رسميًا بدولة فلسطين، وهي خطوة إن تمت ستشكل تحولاً جذريًا في السياسة البريطانية التاريخية المنحازة للاحتلال، وتفتح الباب أمام موجة توترات دبلوماسية مع تل أبيب.
ويعكس القرار في جوهره تبني لندن نهج العقوبات الرمزية، وهو أسلوب تلجأ إليه الدول الغربية غالبًا قبل الانتقال إلى فرض عقوبات اقتصادية أو سياسية أوسع نطاقًا. وقد سبق أن اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوات مماثلة شملت تجميد دعم مالي مخصص لـ”إسرائيل” ومناقشة فرض عقوبات على بعض وزراء الحكومة اليمينية الحالية، ما يوحي بوجود تنسيق غربي متدرج لزيادة الضغط على حكومة بنيامين نتنياهو.
غضب في تل أبيب ومحاولات لتصوير القرار كضرر أمني
من جانبه، عبّر مدير عام وزارة حرب الاحتلال، أمير برعام، وهو أحد خريجي الكلية الملكية، عن غضبه من القرار واعتبره “تمييزًا وقطيعة مع تقاليد بريطانيا في التسامح والإنصاف”. وزعم برعام أن “استبعاد إسرائيل في وقت تحمي فيه طرق التجارة الدولية من هجمات الحوثيين وتمنع وصول أسلحة نووية إلى أيادٍ متشددة، يمثل إضرارًا مباشرًا بأمن بريطانيا نفسها”.
لكن هذه المزاعم تأتي في وقت يواجه فيه الاحتلال اتهامات واسعة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، وسط عزلة دولية متنامية، الأمر الذي يجعل تبرير استمرار التعاون الأكاديمي والعسكري معه مكلفًا سياسيًا لأي حكومة ديمقراطية.
الحصار.. جريمة مستمرة تدفع لندن لتغيير نهجها
منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، يفرض الاحتلال حصارًا شاملاً على قطاع غزة، مانعًا دخول الغذاء والدواء والوقود، ما تسبب في مجاعة غير مسبوقة وموت مئات الأطفال جوعًا وعطشًا، إلى جانب قصف متواصل للأحياء السكنية والبنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس ومخازن الإغاثة. وقد حذّرت الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة مرارًا من أن غزة تواجه “أسوأ أزمة إنسانية في القرن الحالي”، دون استجابة من حكومة الاحتلال.
ويبدو أن هذا السجل الإجرامي الدموي للاحتلال تحت الحصار والقصف هو ما دفع دوائر صنع القرار البريطانية إلى إعادة تقييم علاقتها الأمنية مع تل أبيب، خشية أن تُتهم لندن بالتواطؤ أو التستر على جرائم الحرب عبر استمرار استقبال ضباط الاحتلال في مؤسساتها الأكاديمية العسكرية المرموقة.
نحو عزلة دولية متزايدة للاحتلال
يرى مراقبون أن القرار البريطاني يشكل حلقة جديدة في سلسلة العزلة الدولية المتزايدة لإسرائيل، وأنه قد يشجع دولاً أوروبية أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة، خصوصًا مع تصاعد الضغوط الشعبية في الغرب لفرض حظر سلاح وعقوبات على حكومة نتنياهو. كما أن تزامن القرار مع بحث الاتحاد الأوروبي خطوات عقابية يعزز احتمال أن تتحول هذه الإجراءات الرمزية إلى ضغوط دبلوماسية واقتصادية مؤثرة إذا استمر الاحتلال في حربه على غزة ورفضه لقرارات المحاكم الدولية.
في المحصلة، يبدو أن قرار لندن بطرد ضباط جيش الاحتلال من الكلية الملكية ليس مجرد خطوة رمزية معزولة، بل بداية لتحول استراتيجي في السياسة البريطانية تجاه إسرائيل، يستند إلى إدراك متزايد بأن استمرار التعاون العسكري مع دولة متهمة بارتكاب إبادة جماعية قد يضر بمصداقية بريطانيا الدولية، ويضعها في مرمى الاتهام بالتواطؤ، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الخطوة التالية: هل تعترف لندن رسميًا بفلسطين قريبًا؟
اقرأ أيضًا : أسطول الصمود ينطلق من تونس نحو غزة: بداية تحدٍ جديد للحصار البحري الإسرائيلي