في ظل سياسات النظام الحالي التي يصفها مراقبون بأنها “بيع ممنهج لأصول الدولة”، يواجه قطاع الصحة في مصر موجة غير مسبوقة من الاستحواذات الإماراتية التي تجاوزت حدود الاستثمار الاقتصادي لتتحول إلى سيطرة كاملة على مفاصل الدواء والخدمات الطبية، مما ينذر بكارثة إنسانية تهدد الأمن الصحي للمواطن المصري البسيط.

الجشع الإماراتي: الاستحواذ على شركات الدواء التاريخية

كشفت تقارير اقتصادية وميدانية عن تسارع وتيرة التوغل الإماراتي في سوق الدواء، حيث لم تعد السيطرة تقتصر على المساهمات الصغرى، بل امتدت لتشمل قلاعاً صناعية كانت تمثل صمام أمان للمصريين. ففي عام 2021، أتمت شركة “أبوظبي القابضة” استحواذها الكامل على شركة “آمون للأدوية”، وهي واحدة من أكبر وأعرق الشركات في المنطقة، تلاها دخول شركة “أكيونكس” الإماراتية بحصص ضخمة في شركة “راميدا” وشركات “العاشر من رمضان”.

هذا الاستحواذ، الذي يتم عبر شركات تأسست في ملاذات ضريبية مثل مالطا وغيرها، يعكس رغبة في احتكار الدواء وتحويله من خدمة إنسانية إلى سلعة تخضع لـ “الجشع الإماراتي” الذي لا يعترف بالبعد الاجتماعي، بل يهدف إلى تعظيم الأرباح وتصدير الإنتاج للخارج على حساب حاجة السوق المحلي.

السيسي يبيع مصر: تفويض السيادة الصحية للخارج

تأتي هذه التحركات وسط غضب شعبي واسع من سياسات الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي يواصل سياسة “بيع مصر” وتفكيك أصولها الاستراتيجية. ويرى خبراء أن تسهيل السيسي لهذه الاستحواذات الخليجية، وخاصة الإماراتية، في قطاع حساس مثل الصحة، يمثل تخلّياً صريحاً عن مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها.

إن النظام، ومن خلال إضعاف القطاع العام الطبي وتعويم الجنيه الذي أفقد الشركات الوطنية قيمتها، مهد الطريق أمام رأس المال الإماراتي للسيطرة على مصانع الأدوية بأسعار زهيدة، مما جعل “قرار القتل” – كما يصفه البعض – بيد مستثمرين أجانب يتحكمون في توفر الدواء وسعره وقتما يشاءون.

التحكم في الأسعار و”قرار القتل” الصامت للمرضى

تؤكد الشواهد أن السيطرة الإماراتية انتقلت من المصانع إلى غرف العناية المركزة والمستشفيات الخاصة. وبالعودة إلى أزمة كورونا، يتضح النموذج الكارثي لإدارة هذه الاستثمارات؛ حيث رفض القائمون على المنشآت الطبية الخاصة التابعة لهذه المجموعات الالتزام بسقف الأسعار الذي حددته وزارة الصحة، وفرضوا مبالغ خيالية مقابل الخدمات الطبية.

هذا التحكم المطلق في أسعار الخدمات الطبية يضع حياة المصريين تحت رحمة “المقصلة المالية”؛ فالمواطن الذي لا يملك تكلفة العلاج في المستشفيات التي تمت السيطرة عليها، يجد نفسه أمام عجز تام، مما يحول هذه الاستثمارات إلى أداة لـ “القتل بالأسعار” في ظل غياب الرقابة الحكومية التي باتت شريكاً في هذا التوغل.

خطورة التغلغل الإماراتي على مستقبل الصحة في مصر

إن استمرار هذا النهج يضع الأمن القومي المصري في مهب الريح. فالدولة التي لا تملك قرار دوائها ولا تستطيع حماية مواطنيها من جشع المستثمرين في مستشفياتها، هي دولة فقدت سيادتها على أجساد مواطنيها. إن خطر السيطرة الإماراتية لا يتوقف عند جني الأرباح، بل يمتد ليكون سيفاً مسلطاً على رقاب الملايين، حيث باتت صحة المصريين رهينة لقرارات تُتخذ في أبوظبي، في ظل نظام سياسي يواصل التنازل عن مقدرات الوطن مقابل البقاء في السلطة.

اقرأ أيضًا : نتنياهو يترنح تحت وطأة الفشل: البحث عن “كبش فداء” للتغطية على هزيمة الاحتلال في لبنان