أثارت تصريحات رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي، عبد الرحمن محمد عبد الله، جدلاً واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية، بعد أن أعلن ترحيبه العلني بالاستثمارات الإسرائيلية، وعدم استبعاده منح ميناء في الإقليم لشركة إسرائيلية. جاءت هذه التصريحات خلال مقابلة مع صحيفة غلوبس الإسرائيلية، على هامش مشاركته في قمة الحكومات العالمية في دبي، ما منحها بعدًا إقليميًا ودوليًا يتجاوز الطابع الاقتصادي المعلن.
وأكد عبد الله أن الإقليم يمتلك موارد طبيعية وموانئ استراتيجية وثروات زراعية وحيوانية ومعدنية، تجعل منه بيئة جاذبة للاستثمار، مشددًا على انفتاحه على جميع الدول، وفي مقدمتها إسرائيل، في خطوة تعكس تحوّلًا سياسيًا واقتصاديًا لافتًا في مسار الإقليم غير المعترف به دوليًا.

رهانات الاعتراف والدعم الخارجي
تأتي هذه التصريحات بعد إعلان إسرائيل أنها أول دولة تعترف رسميًا بإقليم أرض الصومال، وهو تطور بالغ الدلالة في مسار العلاقات بين الطرفين. هذا الاعتراف لا يمكن فصله عن سعي الإقليم منذ سنوات للحصول على شرعية دولية تعزز موقعه في مواجهة الحكومة المركزية في مقديشو.
ويرى مراقبون أن هذا الانفتاح على إسرائيل يشكل جزءًا من استراتيجية أوسع لتدويل قضية أرض الصومال، واستقطاب قوى مؤثرة يمكن أن تضغط باتجاه الاعتراف الدولي. في هذا السياق، يبرز الدور غير المعلن لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي تمتلك حضورًا اقتصاديًا وأمنيًا واسعًا في القرن الإفريقي، وتربطها علاقات وثيقة بكل من إسرائيل وإدارة الإقليم.
وتشير تقارير غير رسمية إلى أن أبوظبي لعبت دور الوسيط والداعم في عدد من الصفقات والمشاريع داخل الإقليم، لا سيما في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية، ما يجعل التقارب الحالي امتدادًا لمسار تقوده الإمارات بهدوء منذ سنوات.
الموانئ والبحر الأحمر في قلب الصراع
يشكل الموقع الجغرافي لأرض الصومال أحد أهم عناصر الجذب في حسابات إسرائيل وحلفائها. فالإقليم يطل على خليج عدن، بالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وأكد عبد الله أن الإقليم يمثل نقطة محورية في تأمين حركة الملاحة، خاصة في ظل الهجمات التي تنفذها جماعة أنصار الله (الحوثيين) على السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر.
وتسببت هذه الهجمات في اضطراب نحو 12% من التجارة البحرية العالمية، ما دفع إسرائيل للبحث عن بدائل لوجستية وأمنية تضمن استمرار تدفق تجارتها. وفي هذا الإطار، تبدو موانئ أرض الصومال خيارًا مغريًا لإقامة قواعد إمداد أو مراكز مراقبة أو استثمارات تخدم المصالح الإسرائيلية في المنطقة.
ويرى محللون أن منح ميناء لشركة إسرائيلية لا يعني مجرد مشروع تجاري، بل قد يتحول إلى منصة نفوذ أمني واستخباراتي، تعزز حضور تل أبيب في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.
ثروات طبيعية وأجندة الأمن الغذائي
لم تقتصر تصريحات رئيس الإقليم على الموانئ، بل شملت الحديث عن الثروات النفطية والغازية والمعدنية، إضافة إلى الأراضي الزراعية الواسعة والثروة الحيوانية. واعتبر عبد الله أن هذه الموارد يمكن أن تساهم في تعزيز الأمن الغذائي العالمي، ولإسرائيل بشكل خاص.
ودعا رجال الأعمال الإسرائيليين للاستثمار في مجالات الطاقة والزراعة والسياحة والرعي والطيران والتمويل، في محاولة لتقديم الإقليم كوجهة استثمارية واعدة. غير أن هذه الوعود تصطدم بواقع سياسي هش، وغياب الاعتراف الدولي، وضعف البنية التحتية، واستمرار التوتر مع الحكومة الصومالية المركزية.
خلاف الأجواء الجوية ورسائل سياسية
تزامنت هذه التصريحات مع استمرار الخلاف حول عبور الطيران الإسرائيلي الأجواء الصومالية، بعد رفض مقديشو السماح لطائرات شركة أركيا بالمرور عبر مجالها الجوي. وانتقد عبد الله هذا القرار، واصفًا إياه بأنه يعرقل حركة الطيران المدني لأسباب سياسية.
ويعكس هذا الخلاف صراعًا غير مباشر بين الحكومة الصومالية وإدارة أرض الصومال، حيث تسعى الأخيرة لإظهار نفسها كطرف مستقل قادر على اتخاذ قرارات سيادية، حتى في ملفات حساسة كالمجال الجوي والعلاقات الخارجية.
بين التطبيع والارتهان الإقليمي
في المحصلة، تكشف تصريحات رئيس أرض الصومال عن محاولة واضحة لإعادة تموضع الإقليم داخل خريطة التحالفات الإقليمية، عبر بوابة إسرائيل وبدعم إماراتي غير معلن. غير أن هذا المسار يحمل مخاطر كبيرة، أبرزها تعميق عزلة الإقليم عن محيطه الإفريقي والعربي، وربطه بأجندات أمنية واقتصادية خارجية.
كما يفتح الباب أمام تحويل أرض الصومال إلى ساحة تنافس دولي وإقليمي، في ظل احتدام الصراع حول البحر الأحمر وباب المندب. وبين وعود الاستثمار والتنمية، ومخاوف التبعية والارتهان، يبقى مستقبل الإقليم مرهونًا بمدى قدرته على تحقيق توازن حقيقي بين طموحاته السياسية ومصالح شعبه، بعيدًا عن صفقات قد تتحول إلى عبء استراتيجي طويل الأمد.
اقرأ أيضًا : مخطط أميركي للسيطرة على ميزانيات غزة ونتنياهو يشترط نزع السلاح