في خطوةٍ تحمل دلالاتٍ خطيرة على مستوى التغيير التكتيكي في سلوك الاحتلال الإسرائيلي داخل قطاع غزة، كشفت القناة 12 العبرية عن تدخل مباشر لطائرات الاحتلال لصالح مجموعة “أبو شباب” الإجرامية خلال اشتباك مع مقاومين من حركة حماس جنوبي القطاع، وذلك في سابقة تؤكد طبيعة التعاون بين الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ومجموعات إجرامية محلية لتقويض نفوذ المقاومة.

فبحسب القناة، أطلقت طائرات إسرائيلية مسيّرة صواريخها باتجاه أربعة من عناصر حماس، بعدما حاولوا استهداف عناصر من مجموعة “أبو شباب”، مما أدى إلى مقتلهم. 

هذا التدخل الجوي لصالح مجموعة محلية لا تنتمي لأي فصيل مقاوم، بل تُتهم بالارتباط الوثيق بجهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، يعكس منحى جديداً في طريقة تعامل الاحتلال مع البيئة الداخلية لقطاع غزة، عنوانه الأبرز: تفكيك البنية المجتمعية عبر دعم عصابات محلية.

الشاباك يدير المشهد… والسلاح من غنائم الحرب

ما كشفته صحيفة “معاريف” في اليوم نفسه يضع هذا التطور في سياقه الكامل؛ إذ أكدت أن جهاز “الشاباك” هو من يقف وراء تجنيد مجموعة “أبو شباب”، وأن رئيس الجهاز، قدّم لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خطةً لتجنيد العصابة وتزويدها بأسلحة تم اغتنامها خلال حرب “السيوف الحديدية”، بما يشمل بنادق كلاشينكوف ومسدسات من غنائم حماس وحزب الله.

التقرير الذي أعده المراسل العسكري آفي أشكنازي، يشير إلى أن الفكرة المركزية للخطة هي استخدام هذه العصابة كأداة عملياتية محدودة الجغرافيا، وبمثابة “نواة حكم بديل” لحركة حماس في بعض مناطق رفح، دون الإعلان عنها كبديل رسمي.

هذه “النسخة الغزاوية” من الوكلاء المحليين، تُوظفها إسرائيل في محاولة لإعادة رسم المشهد الأمني والسياسي في القطاع بما يخدم مصالحها.

عصابة إجرامية بوجه سياسي

بحسب “معاريف”، فإن “أبو شباب” ليست فصيلاً ولا تنظيماً سياسياً، بل عصابة إجرامية تم تجنيدها بعناية من أوساط مهربي المخدرات ومرتكبي جرائم الممتلكات. 

وقد تم تقديمها كخيار عملي “قابل للتطويع”، خلافاً للحركات الإسلامية التي تمثل مشروعاً سياسياً متماسكاً، حتى لو كان معارضاً للاحتلال.

ويُشار إلى أن الإمارات – وفق تقارير متقاطعة – لعبت دوراً محورياً في تمويل بعض مجموعات “أبو شباب” من خلال أدوات استخبارية غير مباشرة، لتكون هذه المجموعة أداة مزدوجة؛ تعبث بالنسيج الاجتماعي من جهة، وتنفذ المهام القذرة نيابة عن الاحتلال من جهة أخرى. وهو نمط تدخّلي سبق أن اعتمدته أبوظبي في أكثر من ساحة عربية.

تجريب مشروع “البديل الداخلي”

المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لا تُخفي طابع “التجريب” في هذه الخطوة، بل تؤكد أن الهدف هو اختبار مدى القدرة على بناء أدوات محلية بديلة لحماس.

ومع أن بعض الأصوات داخل المؤسسة الأمنية أبدت تشككاً في جدوى الاعتماد على مجموعات إجرامية غير منضبطة، إلا أن الشاباك ماضٍ في خطته بدافع الحاجة المُلِحّة إلى أي بديل – ولو مؤقت – يملأ الفراغ الأمني في مناطق محددة بقطاع غزة، وخصوصاً بعد حالة التآكل العسكري والسياسي التي أصابت الاحتلال في الحرب الأخيرة.

كما أن أحد المصادر الأمنية أشار صراحةً إلى أنه حتى لو “انقلب” أفراد العصابة في مرحلة لاحقة ووجّهوا سلاحهم نحو الاحتلال، فإن “حجم الأسلحة الذي زُوّدوا به ضئيل نسبياً”، وكأن هناك نية لاستخدامهم كورقة استنزاف مؤقتة، ثم الاستغناء عنهم لاحقاً.

الجيش الإسرائيلي يُصفق.. لكنه يحذّر

موقف الجيش الإسرائيلي من تجنيد “أبو شباب” لم يكن معارضاً، بل وُصف بأنه “ترحيب مشروط”. فقد أكد مصدر عسكري أن هذه الخطوة تُعتبر “حلاً تكتيكياً مفيداً في المدى القريب”، لكنه شدد على أنها لا تصلح كبديل استراتيجي طويل الأمد، مؤكداً على ضرورة بناء حل سياسي إقليمي يُفضي إلى بديل حقيقي لحماس في غزة.

بهذا المعنى، فإن الاحتلال لا يُراهن بالكامل على مجموعة “أبو شباب”، بل يستخدمها كأداة من أدوات الحرب النفسية، وتفتيت البيئة الداخلية للقطاع، بانتظار تسوية سياسية كبرى لم تنضج بعد.

مقاومة من نوع مختلف

أما على الجانب الفلسطيني، فإن دخول طائرات الاحتلال على خط الاشتباك لدعم مجموعة محلية تصنّف بأنها إجرامية، يُعتبر بمثابة إعلان صريح عن تورّط الاحتلال في إشعال فتيل فتنة داخلية. 

كما أنه يحمّل قوى المقاومة تحدياً مضاعفاً؛ إذ لم تعد المواجهة تقتصر على الجيش الإسرائيلي، بل باتت تشمل أدوات محلية تحمل السلاح وتتحرك بدعم استخباري مباشر، وتتمتع بحماية جوية من طائرات مسيّرة.

إن ما يحدث في رفح ومحيطها ليس مجرد تحرك أمني تقليدي، بل هو مشروع تهشيم اجتماعي سياسي تُنفذه إسرائيل بغطاء إماراتي ويد غزية مأجورة، هدفه تقويض وحدة المجتمع وتطويع البيئة الأمنية لصالح الاحتلال.

اقرأ أيضًا : اسـ ـتشـ ـهـ!د 3 مسعفين وصحفي في غزة.. تواطؤ الحكام العرب مستمر