في تطور إنساني لافت يأتي متأخرًا بعد كارثة ممتدة، أعلنت مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة تمكّنها من إرسال بعثة أممية لتقييم الوضع الإنساني في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، المدينة التي حوصرت لأكثر من عام ونصف وتعرّض سكانها لأبشع أشكال العنف والتجويع على يد ميليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتيًا.
الخطوة، التي وُصفت بأنها الأولى من نوعها منذ اشتداد الحصار، جاءت وسط ترحيب أميركي ودعوات لهدنة إنسانية شاملة، لكنها تثير في الوقت ذاته تساؤلات جوهرية حول جدوى التحركات الدولية المتأخرة في ظل استمرار الإفلات من العقاب، والدعم الخارجي لميليشيا ارتكبت جرائم ترقى إلى التطهير العرقي.

بعثة بعد حصار ومجازر

وأوضح مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أن إقامة بعثة التقييم في الفاشر جاءت عقب “مباحثات إنسانية مضنية”، في اعتراف غير مباشر بحجم العراقيل التي واجهت أي محاولة للوصول إلى المدينة. فالفاشر لم تكن مجرد ساحة قتال، بل تحولت إلى نموذج للحصار الشامل، حيث استُهدفت الأحياء السكنية، وتعرّض المدنيون والعاملون في المجال الإنساني لهجمات ممنهجة، في ظل صمت دولي مطبق.

ووفق تقارير إعلامية وشهادات ناجين، فإن قوات الدعم السريع فرضت حصارًا خانقًا على المدينة لأكثر من 18 شهرًا، قبل أن ترتكب مجازر واسعة عقب سيطرتها عليها في 26 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. هذه الوقائع لم تكن معزولة، بل جاءت ضمن نمط متكرر في دارفور، حيث استخدمت الميليشيا القتل الجماعي، والاغتصاب، والتهجير القسري كأدوات حرب.

ترحيب أميركي… وحدود الضغط

في واشنطن، رحّب مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الإفريقية مسعد بولس بوصول بعثة التقييم إلى الفاشر، معتبرًا ذلك “خطوة رائعة” بعد الحصار المروّع. وأعرب بولس عن تطلعه إلى وصول قوافل المساعدات بشكل منتظم، داعيًا إلى إيصال الإغاثة دون عوائق إلى جميع أنحاء السودان.

كما أشار إلى أن الولايات المتحدة تبني على هذا “التقدم” لتأمين هدنة إنسانية شاملة في البلاد، مطالبًا طرفي النزاع بقبولها وتنفيذها فورًا ودون شروط مسبقة. غير أن هذا الخطاب، رغم نبرته الإنسانية، يصطدم بواقع سياسي أكثر تعقيدًا، حيث فشلت كل الدعوات السابقة للتهدئة في ظل غياب آليات إلزام حقيقية، واستمرار الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع، وعلى رأسه الدعم الإماراتي.

الإمارات… الغائب الحاضر

لا يمكن فصل ما جرى في الفاشر، ولا في عموم دارفور، عن الدور الإماراتي في تغذية الحرب. فالميليشيا التي تحاصر المدن وتحرق القرى لم تكن لتتحول إلى قوة إقليمية لولا التمويل والتسليح والدعم السياسي القادم من أبوظبي. ورغم تواتر التقارير الدولية عن هذا الدور، ما زالت الإمارات تحتمي بخطاب “الوساطة” و”الدعم الإنساني”، في تناقض صارخ مع الوقائع على الأرض.

إن أي هدنة إنسانية لا تُرفق بوقف حقيقي للدعم العسكري والمالي لميليشيا الدعم السريع، ستظل مجرد إعلان نوايا. فالميليشيا التي اعتادت استخدام الهدن لالتقاط الأنفاس وإعادة التموضع، لن تتحول فجأة إلى شريك في حماية المدنيين.

حرب مفتوحة وكارثة ممتدة

منذ اندلاع الحرب في أبريل/ نيسان 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بسبب الخلاف حول دمج القوات المسلحة، قُتل عشرات الآلاف، ونزح نحو 13 مليون شخص، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم اليوم. وتشهد ولايات كردفان الثلاث تصعيدًا دمويًا في الأسابيع الأخيرة، أجبر عشرات الآلاف على الفرار، بينما تفرض الدعم السريع سيطرتها على معظم ولايات دارفور الخمس، باستثناء أجزاء من شمال دارفور، في حين يحتفظ الجيش بالسيطرة على أغلب الولايات الأخرى، بما فيها الخرطوم.

هل تكفي البعثة والهدنة؟

بعثة التقييم الأممية إلى الفاشر، رغم أهميتها، لا تغيّر وحدها معادلة الموت في السودان. فهي أشبه بكشف متأخر لحجم الجريمة، لا بإيقافها. أما الدعوة الأميركية لهدنة إنسانية، فستظل رهينة حسابات السياسة الدولية، ما لم تُترجم إلى ضغوط حقيقية على داعمي الحرب، وفي مقدمتهم الإمارات.

في المحصلة، يقف السودان اليوم على مفترق طرق: إما تحرك دولي جاد يضع حدًا لميليشيا الدعم السريع ومن يقف خلفها، أو استمرار مسار “الإدانات والبعثات” التي توثّق المأساة بعد وقوعها، بينما يواصل المدنيون دفع الثمن. الفاشر ليست اختبارًا للضمير الدولي فقط، بل لمدى صدقية العالم في مواجهة حرب تُدار بالوكالة وتُنفّذ بدماء السودانيين.

اقرأ أيضًا : رئيس الوزراء السوداني: أي هدنة لوقف الحرب مرتبطة بنزع سلاح الدعم السريع