في كلمته خلال احتفالية عيد الشرطة، حرص عبد الفتاح السيسي على استخدام لغة تبدو في ظاهرها عامة ومبدئية: رفض تهجير الفلسطينيين، الدعوة إلى إدخال المساعدات إلى غزة، والتشديد على وحدة الدول ورفض تقسيمها عبر “جيوش موازية” وميليشيات. لكن القراءة السياسية المتأنية لهذا الخطاب تكشف أنه أبعد ما يكون عن العمومية، وأنه يحمل رسائل مباشرة، وإن جاءت بلا تسميات صريحة، إلى أطراف إقليمية لعبت أدوارًا حاسمة في تفكيك دول المنطقة، بل وفي إعادة تشكيل المشهد الذي أتى بالسيسي نفسه إلى الحكم.

“الجيوش الموازية”… توصيف أم اتهام سياسي؟

عندما يتحدث السيسي عن “محاولات بعض الدول إنشاء ميليشيات موازية للجيوش الوطنية” ويحمّلها مسؤولية “تدمير المنطقة”، فإنه يستدعي نموذجًا بات حاضرًا بقوة في الإقليم: قوى مسلحة خارج إطار الدولة، تُستخدم كأدوات نفوذ إقليمي، وتتحول لاحقًا إلى عبء مدمر على الدول والمجتمعات. هذا الوصف لا ينطبق على حالة واحدة، بل على مسار كامل شهدته اليمن، والسودان، وليبيا، وأجزاء من القرن الأفريقي. اللافت هنا أن السيسي، الذي طالما قدّم نفسه كحارس “الدولة الوطنية”، بات يلمّح إلى مسؤولية دول إقليمية بعينها عن هندسة هذا الخراب.

من الدفاع إلى الهجوم السياسي

لسنوات، كان الخطاب المصري الرسمي يتجنب أي صدام لفظي مع حلفاء إقليميين لعبوا دورًا محوريًا في دعم انقلاب 2013 وتثبيت النظام الجديد في القاهرة. غير أن التحول في نبرة السيسي يوحي بانتقال تدريجي من موقع الدفاع إلى الهجوم السياسي غير المباشر. فالإشارة إلى أن “مصر لم ولن تتورط في أي مؤامرة ضد دولة شقيقة” تحمل في طياتها مقارنة ضمنية مع أطراف أخرى تورطت – أو تُتهم بالتورط – في دعم الانقسامات والصراعات عبر أدوات عسكرية موازية.

غزة… بين الموقف المعلن والاصطفاف الإقليمي

تشديد السيسي على رفض تهجير الفلسطينيين وعدم عرقلة المساعدات الإنسانية إلى غزة لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي والدولي الراهن. فالقاهرة تواجه ضغوطًا متزايدة، وفي الوقت نفسه تحاول إعادة تموضعها كطرف “عاقل” يرفض سيناريوهات التفريغ الديمغرافي ويؤكد على الحلول السياسية. لكن هذا الخطاب الإنساني يتقاطع أيضًا مع صراع نفوذ أوسع في المنطقة، حيث باتت غزة ساحة اختبار لمواقف الدول العربية، وتحالفاتها، وحدود انسجامها مع السياسات الإسرائيلية والأمريكية.

السودان واليمن… الاصطفافات تتضح

حديث السيسي عن وحدة الدول ورفض الجيوش الموازية يكتسب دلالة أوضح عند إسقاطه على السودان واليمن. في السودان، تدعم القاهرة والرياض الجيش النظامي في مواجهة قوات الدعم السريع، بينما تتجه أصابع الاتهام إلى أطراف إقليمية بدعم هذه القوات. وفي اليمن، يظهر التناقض بجلاء بين دعم الحكومة المعترف بها دوليًا من جهة، ودعم قوى انفصالية مسلحة في الجنوب من جهة أخرى. هنا، يبدو خطاب السيسي أقرب إلى إعلان موقف سياسي صريح، لكنه مموه بلغة “المبادئ”.

تطابق مصري–سعودي… ورسالة إلى طرف ثالث

التأكيد المتكرر على “تطابق المواقف المصرية والسعودية” في ملفات السودان واليمن والصومال وغزة ليس تفصيلًا بروتوكوليًا. بل هو رسالة سياسية واضحة مفادها أن القاهرة والرياض تحاولان بناء جبهة متقاربة في مواجهة سياسات إقليمية وُصفت، ضمنيًا، بأنها قائمة على التفكيك ودعم الكيانات الموازية. هذا الاصطفاف يعكس أيضًا إدراكًا متزايدًا بأن الفوضى التي تُصدّر إلى دول الجوار قد ترتد على الجميع، بما في ذلك الأنظمة التي اعتقدت يومًا أنها بمنأى عنها.

مفارقة الانقلاب… والسؤال المحرج

المفارقة الكبرى أن السيسي، وهو يهاجم سياسات “تدمير الدول عبر الجيوش الموازية”، يتجاهل أن النظام الذي يقوده وُلد في سياق إقليمي اتسم بالتدخلات، والتمويل السياسي، والدعم الإعلامي والأمني العابر للحدود. من هنا يبرز السؤال الجوهري: هل يعيد السيسي اليوم كتابة سرديته السياسية، محاولًا النأي بنفسه عن أدوات وممارسات ساهمت في صعوده؟ أم أنه دخل فعليًا في مرحلة صدام بارد مع بعض من هندسوا المشهد الإقليمي الذي أفرز انقلابه؟

ما بعد الخطاب… إلى أين تتجه القاهرة؟

ما قاله السيسي لا يمكن اعتباره مجرد كلمات عابرة في مناسبة رسمية. هو أقرب إلى “مقال رأي سياسي” بصوت رئيس دولة، يعبّر عن قلق عميق من مسار إقليمي أثبت فشله، وربما عن رغبة في إعادة التموضع قبل أن تشتد العواصف. لكن يبقى السؤال مفتوحًا: هل يملك النظام المصري القدرة – أو الإرادة – للذهاب بعيدًا في هذا المسار، أم أن الخطاب سيظل عند حدود التلميح، دون ترجمة حقيقية على الأرض؟

اقرأ أيضًا : الإمارات تنسحب من سقطرى… هل سقط المشروع الانفصالي للأبد؟