أثار إعلان وزارة الدفاع الإماراتية إنهاء ما تبقّى من فرق “مكافحة الإرهاب” في اليمن موجة تساؤلات واسعة حول حقيقة الخطوة وحدودها، خاصة أنها جاءت بعد ساعات فقط من مطالبة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بخروج القوات الإماراتية خلال 24 ساعة. وبينما سعت أبوظبي لتسويق القرار بوصفه “سياديًا” و“طوعيًا”، فإن السياق الزمني والسياسي يكشف أن ما جرى أقرب إلى إعادة تموضع قسرية تحت ضغط داخلي ويمني–سعودي متزايد، لا انسحابًا حقيقيًا من مشهد الهيمنة.

ماذا خرج فعليًا… وماذا بقي؟
وفق المعطيات، يطال القرار فرقًا محدودة العدد والوظيفة تُصنَّف ضمن مهام “مكافحة الإرهاب”، وهي وحدات لا تمثل الوجود الإماراتي الحقيقي في اليمن. انتشار هذه الفرق شمل مواقع حساسة في شبوة النفطية، وجزيرة ميون عند باب المندب، وأرخبيل سقطرى. وقد أفادت مصادر محلية ببدء تفكيك رادارات وأجهزة اتصال في معسكري بلحاف ومرة، في خطوة تحمل طابعًا تكتيكيًا محدودًا.
لكن هذا “الخروج الجزئي” لا يغيّر من حقيقة أن الإمارات لم تغادر اليمن، بل أعادت ضبط حضورها بأدوات أقل كلفة سياسيًا وإعلاميًا، وأكثر تأثيرًا على المدى المتوسط.
إنكار الاستجابة… والواقع السياسي
حرصت أبوظبي لغويًا وسياسيًا على نفي أنها استجابت لمهلة المجلس الرئاسي، مؤكدة أن القرار نابع من “تقييم شامل للمرحلة”. غير أن تزامن الإعلان مع طلب العليمي، ثم صدور بيان سعودي داعم صريح لخروج القوات الإماراتية، يفضح حقيقة الأمر: ضغط سعودي–يمني مشترك لإخراج ملف بات عبئًا على التحالف.
الرياض، التي تحاول إعادة ترتيب المشهد في الجنوب، رأت أن العبث الإماراتي عبر الميليشيات يهدد وحدة الجبهة المناهضة للحوثيين ويقوّض أي تسوية قادمة. لكن هذا لا يجعل من السعودية طرفًا بريئًا، بل شريكًا كاملًا في الفوضى التي أُغرقت بها اليمن منذ 2015.
نفوذ بلا جنود: نموذج أبوظبي المفضّل
الخطر الحقيقي لا يكمن في الجنود الإماراتيين الذين خرجوا، بل في شبكة النفوذ غير المباشر التي أبقتها أبوظبي. فالإمارات ما تزال تمسك بخيوط قوى مسلحة متعددة، أبرزها ميليشيات المجلس الانتقالي الجنوبي، وقوات الحزام الأمني، وألوية العمالقة، وقوات دفاع شبوة، فضلًا عن قوات “المقاومة الوطنية” بقيادة طارق صالح في المخا قرب باب المندب.
هذه التشكيلات ليست مجرد “حلفاء محليين”، بل أدوات وظيفية صُمّمت لتمزيق الدولة اليمنية، وإبقاء الجنوب رهينة مشروع انفصالي يخدم مصالح أبوظبي في الموانئ والجزر وخطوط الملاحة.
اختبار حضرموت والمهرة
يحاول العليمي تسويق الخطوة كإنجاز سيادي، وقد حظي بدعم واسع من البرلمان ومجلس الشورى وقوى قبلية ومجتمعية مؤثرة. غير أن المعركة الحقيقية ستُخاض في حضرموت والمهرة، حيث يشكّل إخراج قوات الانتقالي اختبارًا حاسمًا لمدى جدية هذا “الإنجاز”.
ففي حال نجحت الضغوط بإجبار الانتقالي على الانسحاب من المحافظتين، فإن مشروع الانفصال سيتلقى ضربة قاصمة؛ إذ تمثلان معًا قرابة نصف مساحة اليمن، وعمقًا استراتيجيًا لا غنى عنه لأي كيان انفصالي.
محور الشر: أبوظبي والرياض… شراكة الخراب
لا يمكن قراءة المشهد دون تسمية الأشياء بأسمائها. ما فعلته الإمارات في اليمن لم يكن “دعمًا للاستقرار”، بل تفكيكًا ممنهجًا للدولة عبر الميليشيات والمرتزقة، والسيطرة على الموانئ والجزر. أما السعودية، فبرغم الخلافات التكتيكية مع أبوظبي، تبقى شريكًا في محور دموي واحد دمّر اليمن، وشرعن التدخل الخارجي، وأدار الصراع بعقلية الهيمنة لا الدولة.
اليوم، تحاول العاصمتان إعادة تدوير أدوارهما: أبوظبي تقلّص الظهور وتُبقي السيطرة، والرياض تمسك بالعصا العسكرية والسياسية. لكن اليمنيين باتوا أكثر وعيًا بأن الخروج الحقيقي لا يكون ببيان، بل بتفكيك الميليشيات ووقف الوصاية.
الخلاصة
ما جرى ليس انسحابًا إماراتيًا، بل انسحاب من الضوء إلى الظل. نفوذ أبوظبي ما زال قائمًا، ومشروع التفكيك لم ينتهِ. أما السعودية، فمحاولتها الظهور كضامن للسيادة لا تُخفي مسؤوليتها عن سنوات من الحرب والخراب. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يملك اليمنيون هذه المرة القدرة على كسر محور الشر… أم يُعاد إنتاجه بوجوه جديدة؟
اقرأ أيضًا : الكنيست يشرعن الحصار: قطع المياه والكهرباء عن الأونروا كأداة حرب جماعية