بعد ما يقرب من سبع سنوات على إطلاقه بوصفه المشروع الأضخم في تاريخ السعودية الحديث، يتجه مشروع نيوم إلى تقليص جذري وإعادة تصميم شاملة، في اعتراف عملي بإخفاق التصور الأصلي شديد الطموح الذي تبناه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. وكشفت فايننشال تايمز أن المراجعة الجارية للمشروع، والتي شارفت على الانتهاء، أفضت إلى قناعة داخل دوائر القرار بأن “نيوم” بحجمه وشكله المعلنَين لم يعد قابلًا للاستمرار، بعد سنوات من التأخير وتجاوز الميزانيات وإنفاق عشرات المليارات من الدولارات دون عوائد واضحة.

من مدينة المستقبل إلى مشروع أصغر بكثير

بحسب مصادر مطلعة، بات ولي العهد يتصور مشروعًا “أصغر بكثير”، في تحوّل يعكس إدراكًا متأخرًا لحجم الفجوة بين الخطاب الترويجي والواقع التنفيذي. فالمشروع الذي يمتد على مساحة تعادل تقريبًا حجم بلجيكا على ساحل البحر الأحمر، كان يُقدَّم بوصفه مدينة المستقبل التي ستغير شكل العمران والاقتصاد عالميًا. لكن هذا الطموح اصطدم بتعقيدات التمويل، وصعوبات التنفيذ، وتحديات السوق، ما جعل الاستمرار بالصيغة الأصلية عبئًا ماليًا وسياسيًا.

«ذا لاين»… الرمز الذي انكسر

أبرز مظاهر هذا التراجع يتمثل في تقليص مشروع “ذا لاين”، المدينة الخطية التي كانت القلب الأيديولوجي والإعلامي لنيوم. فبعد أن رُوّج لها كمدينة تمتد 170 كيلومترًا بلا سيارات أو انبعاثات، يجري الآن إعادة تصميمها لتصبح مشروعًا أكثر “تواضعًا”، يستفيد من البنية التحتية التي أُنجزت جزئيًا بدل المضي في رؤية أثبتت عدم واقعيتها. ويقرّ مطلعون بأن “ذا لاين” لن تكون كما عُرفت، لا في الشكل ولا في الوظيفة، في تراجع يُعدّ اعترافًا ضمنيًا بفشل أحد أكثر الأفكار إثارة للجدل في رؤية 2030.

أزمة سيولة وضغوط الاستحقاقات الكبرى

يأتي هذا التحول في وقت تحاول فيه الرياض إدارة أوضاع مالية أكثر هشاشة، مع شحّ السيولة وتراجع أسعار النفط مقارنة بسنوات الطفرة. كما تواجه السعودية استحقاقات مالية ضخمة مرتبطة باستضافة إكسبو 2030 في الرياض وكأس العالم 2034، ما يفرض إعادة ترتيب الأولويات والحد من النزيف المالي في المشاريع العملاقة. في هذا السياق، لم يعد ممكنًا تبرير الاستمرار في ضخ مليارات إضافية في مشروع لا يُظهر مسارًا واضحًا للعائد.

من “حلم المدن” إلى مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي

التوجه الجديد لنيوم، وفق المصادر، يتمثل في التركيز على القطاعات الصناعية والتقنية، وعلى رأسها مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي. ويُنظر إلى الموقع الساحلي للمشروع كميزة لتبريد هذه المراكز باستخدام مياه البحر، في محاولة لتحويل الفشل العمراني إلى فرصة تقنية. هذا التحول يعكس براغماتية متأخرة: فبدل مدينة خيالية للسكن والعمل، يجري التفكير في بنية تحتية تخدم طموح السعودية في أن تصبح لاعبًا في اقتصاد البيانات، ولو على حساب الوعد الأصلي لنيوم.

تروجينا وأوكساغون… تقليص بعد تقليص

لم يقتصر التراجع على “ذا لاين”. فقد أعلنت الرياض تقليص مشروع منتجع التزلج “تروجينا” وعدم استضافته دورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029 كما كان مخططًا. كما تخضع مشاريع أخرى، مثل المنطقة الصناعية “أوكساغون”، لإعادة تقييم ضمن مراجعة شاملة للنطاق والأولويات. هذه القرارات تعكس نمطًا متكررًا: إطلاق مشاريع عملاقة بخطاب مفرط في التفاؤل، ثم التراجع عنها بهدوء عندما تتضح كلفتها الحقيقية.

نزيف الاستشارات ورحيل القيادات

خلال السنوات الماضية، تحولت نيوم إلى منجم أرباح لشركات الاستشارات والهندسة والإنشاءات العالمية، التي استفادت من عقود بمليارات الدولارات. لكن تعثّر التنفيذ وغياب النتائج الملموسة بلغا ذروتهما مع الرحيل المفاجئ للرئيس التنفيذي ناظمي النصر في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ما فتح الباب أمام مراجعة “شاملة” أطلقها خلفه أيمن المديفر، في محاولة للسيطرة على مشروع خرج عن مساره.

فشل الرؤية أم تصحيح المسار؟

رغم محاولة الخطاب الرسمي تصوير ما يجري بوصفه “تكيّفًا مع الواقع”، فإن تقليص نيوم بهذا الحجم يُعدّ مؤشرًا صارخًا على فشل إدارة أحد أعمدة رؤية 2030. فالمشكلة لم تكن في التفاصيل، بل في فلسفة تقوم على مشاريع استعراضية تفوق قدرات التنفيذ والتمويل. واليوم، يجد صندوق الاستثمارات العامة، المالك لنيوم، نفسه تحت ضغط متزايد لتحقيق عوائد حقيقية، لا مجرد وعود مستقبلية. وبينما يتراجع الحلم الكبير، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تعلّمت الرياض الدرس، أم أن “نيوم” ليست سوى أول اعتراف علني بفشل نموذج كامل من التنمية القائمة على الضخامة لا الجدوى؟

اقرأ أيضًا : إجرام الاحتلال.. طفلان جمعا الحطب فاغتالتهما المسيّرة في غزة