في تصعيد سياسي ودبلوماسي لافت، دعا رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس المجتمع الدولي إلى تصنيف ميليشيا الدعم السريع “جماعة إرهابية”، عقب الهجوم الذي استهدف مقر بعثة الأمم المتحدة في مدينة كادوقلي بولاية جنوب كردفان، جنوبي البلاد.

وجاءت الدعوة في لحظة فارقة من مسار الحرب، تحمل دلالات تتجاوز الحادثة ذاتها، لتفتح ملفًا أوسع يتعلق بطبيعة “الدعم السريع” وسلوكها العسكري، وشبكة الدعم الإقليمي التي تقف خلفها، وعلى رأسها دولة الإمارات.

هجوم على الأمم المتحدة.. كسر الخطوط الحمراء

الهجوم الذي أودى بحياة ستة أشخاص وأصاب سبعة آخرين، جرى عبر ثلاثة صواريخ أطلقتها طائرة مسيّرة، استهدفت مقر بعثة “يونيسفا” الأممية في كادوقلي، بحسب الجيش السوداني. ورغم نفي ميليشيا الدعم السريع مسؤوليتها، إلا أن الخرطوم اعتبرت الهجوم “خرقًا جسيمًا” للقانون الدولي الإنساني، وتصعيدًا نوعيًا غير مسبوق، كون المنشآت الأممية محمية بموجب قرارات دولية.

رئيس الوزراء كامل إدريس وصف الاستهداف بأنه “عمل إرهابي منظم”، يكشف عن استخفاف متعمد بالقانون الدولي وتهديد مباشر لعمل البعثات الإنسانية، داعيًا الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى الخروج من دائرة البيانات إلى إجراءات رادعة، تضمن حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، ومحاسبة الجناة.

“يونيسفا” في مرمى النار

بعثة “يونيسفا”، التي تأسست عام 2011، تُعد من أكثر البعثات حساسية في القارة الإفريقية، نظرًا لعملها في منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان. ومنذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، حافظت البعثة على قدر من الحياد والابتعاد عن خطوط الاشتباك المباشر، ما جعل استهدافها تطورًا بالغ الخطورة.

ويمثل الهجوم سابقة منذ بدء الحرب، ويطرح تساؤلات حول نية “الدعم السريع” توسيع دائرة الصراع لتشمل المؤسسات الدولية، في محاولة لفرض وقائع جديدة بالقوة، أو لابتزاز المجتمع الدولي عبر تعريض بعثاته للخطر.

سجل دموي طويل في كردفان ودارفور

لا يمكن فصل استهداف البعثة الأممية عن السجل الدموي لميليشا الدعم السريع في جنوب كردفان ودارفور. فمدينة كادوقلي تعاني منذ الشهور الأولى للحرب من حصار خانق، تشارك فيه “الدعم السريع” إلى جانب الحركة الشعبية – شمال، مع هجمات متكررة بالطائرات المسيّرة والمدفعية الثقيلة، وفق تقارير حقوقية.

وفي ولايات إقليم كردفان الثلاث، تسببت الاشتباكات الأخيرة في نزوح عشرات الآلاف، وسط أوضاع إنسانية متدهورة، ونقص حاد في الغذاء والدواء. هذه الانتهاكات تأتي امتدادًا لجرائم موثقة ارتكبتها “الدعم السريع” في دارفور، شملت مجازر جماعية، وعمليات تطهير عرقي، واغتصاب، وتهجير قسري، ما دفع منظمات دولية لوصف ما جرى بأنه “جرائم ضد الإنسانية”.

الدعم الإماراتي.. مظلة سياسية وعسكرية

يُجمع مراقبون على أن “الدعم السريع” ما كانت لتصل إلى هذا المستوى من التسليح والتقنيات العسكرية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، لولا الدعم الخارجي، وعلى رأسه الدعم الإماراتي. تقارير أممية وصحفية غربية عدة تحدثت عن تدفق أسلحة متطورة إلى المليشيا عبر شبكات إمداد إقليمية، وعن دور إماراتي مباشر في التمويل والتدريب، ضمن سياسة إقليمية تقوم على توظيف المليشيات لتحقيق النفوذ.

هذا الدعم لم يكن عسكريًا فحسب، بل سياسيًا وإعلاميًا أيضًا، حيث وفرت أبوظبي غطاءً دبلوماسيًا لقادة “الدعم السريع”، وسعت إلى تسويقهم كـ”طرف سياسي” في الصراع، متجاهلة سجلهم الإجرامي، في محاولة لإعادة إنتاج تجربة “الميليشيات الوظيفية” في المنطقة.

هل يغيّر التصنيف المعادلة؟

دعوة السودان لتصنيف “الدعم السريع” جماعة إرهابية تمثل محاولة لكسر حالة التراخي الدولي، ونقل الصراع من كونه “حربًا أهلية” إلى كونه تهديدًا مباشرًا للأمن والسلم الدوليين. ورغم أن الاستجابة الدولية لا تزال محدودة، إلا أن استهداف بعثة أممية قد يشكل نقطة تحول، تدفع نحو إعادة تقييم الموقف من المليشيا وداعميها.

في المحصلة، لم يعد الصراع في السودان شأناً داخليًا، بل بات اختبارًا حقيقيًا لصدقية المجتمع الدولي في حماية المدنيين، وفرض القانون الدولي، ومحاسبة المليشيات العابرة للحدود، التي تُدار من عواصم إقليمية، وتُستخدم كأدوات لهدم الدول وتمزيق المجتمعات.

اقرأ أيضًا : ميليشيا الانتقالي المدعومة إماراتيًا ترتكب مجزرة في حضرموت: 32 قتيلًا من الجيش اليمني