أعاد إعلان رئاسة أركان الجيش اليمني، مساء الجمعة، تسليط الضوء على واحدة من أخطر المواجهات التي شهدتها المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دوليًا، بعد مقتل 32 جنديًا وإصابة 45 آخرين في هجوم نفذته مجاميع تابعة لميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، في محافظة حضرموت شرقي البلاد. الإعلان الرسمي جاء بعد أكثر من أسبوع على وقوع الهجوم، ما يعكس حجم التعقيد الأمني ومحاولات التعتيم التي رافقت العملية.

تفاصيل الهجوم على المنطقة العسكرية الأولى

وبحسب بيان الجيش وموقع «سبتمبرنت» التابع لوزارة الدفاع، استهدف الهجوم مواقع ومعسكرات تابعة للمنطقة العسكرية الأولى في وادي وصحراء وهضبة حضرموت. وأكدت رئاسة الأركان أن الجنود القتلى سقطوا أثناء أداء واجبهم الوطني والدستوري، إثر اعتداءات وصفتها بـ«السافرة» من قبل مجاميع مسلحة تتبع المجلس الانتقالي، مشيرة إلى سقوط عشرات الجرحى واستمرار فقدان عدد من الضباط والأفراد حتى الآن.

اتهامات بتصفية الجرحى وإعدام المحتجزين

الأخطر في بيان الجيش اليمني كان اتهامه الصريح لميليشيا الانتقالي بتصفية عدد من الجرحى ميدانيًا، وإعدام محتجزين بعد السيطرة على بعض المواقع العسكرية، في انتهاك فاضح لكافة القوانين المحلية والمواثيق الدولية. هذه الاتهامات، إن ثبتت، ترقى إلى جرائم حرب، وتكشف طبيعة السلوك الميليشياوي الذي تتبعه القوات المدعومة إماراتيًا في مناطق نفوذها.

فرض أمر واقع بالقوة وتقويض الدولة

اعتبر الجيش اليمني أن الهجوم لا يستند إلى أي مبرر قانوني أو شرعي، ويهدف إلى زعزعة الأمن في محافظة ظلت لفترة طويلة بمنأى عن المواجهات الكبرى. وأوضح البيان أن ما جرى يمثل محاولة لفرض أمر واقع بالقوة المسلحة، يقوض العملية السياسية، ويقفز على المرجعيات الوطنية، ويضرب أسس الدولة ومؤسساتها العسكرية.

الإمارات ومشروع تفكيك اليمن

لا يمكن قراءة ما حدث في حضرموت بمعزل عن الدور الإماراتي المتصاعد في شرق اليمن. فمنذ سنوات، تتهم أطراف يمنية أبوظبي بدعم وتشكيل ميليشيات محلية خارج إطار وزارتي الدفاع والداخلية، بهدف السيطرة على مناطق استراتيجية، وتهميش الجيش النظامي. ويُنظر إلى دعم الإمارات لميليشيا الانتقالي باعتباره جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تشكيل الخارطة السياسية والأمنية لليمن بما يخدم مصالحها الإقليمية.

حضرموت من الاستقرار إلى ساحة صراع

كانت حضرموت تُعد من أكثر المحافظات استقرارًا نسبيًا مقارنة ببقية مناطق اليمن، إلا أن إدخال الميليشيات المسلحة إلى نسيجها الأمني غيّر المعادلة بالكامل. فالتوسع الأخير لقوات الانتقالي في وادي حضرموت، وسيطرتها على معسكرات الجيش دون قتال يُذكر في معظم المناطق، باستثناء مواجهات محدودة في سيئون، فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر والفوضى.

انعكاسات خطيرة على معركة الحوثيين

يرى مراقبون أن الصراع بين الجيش وميليشيا الانتقالي يخدم بشكل غير مباشر جماعة الحوثي، التي تستفيد من تفكك الجبهة المناهضة لها. فبدل توحيد الجهود لمواجهة الحوثيين، تنزلق القوى المحسوبة على معسكر الشرعية إلى صراعات داخلية دامية، تستنزف القدرات العسكرية، وتضعف الموقف السياسي للحكومة.

اختبار حاسم للمجلس الرئاسي

تضع مجزرة حضرموت المجلس الرئاسي اليمني أمام اختبار مصيري، يتعلق بقدرته على حماية مؤسسات الدولة ووقف تغوّل الميليشيات المدعومة خارجيًا. فالصمت أو الاكتفاء ببيانات الشجب قد يفتح الطريق أمام مزيد من الانتهاكات، ويكرّس واقعًا جديدًا تتحكم فيه القوى المسلحة خارج سلطة الدولة.

دماء الجنود ورسالة المرحلة المقبلة

مقتل 32 جنديًا يمنيًا في حضرموت ليس حادثًا عابرًا، بل رسالة دامية تعكس حجم الصراع الخفي على اليمن ومستقبله. وبينما تستمر الإمارات في دعم ميليشياتها، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان اليمن قادرًا على كبح هذا المسار التفكيكي، أم أن البلاد تتجه نحو مزيد من التقسيم والفوضى على حساب دماء أبنائها.

اقرأ أيضًا : بن غفير يلوّح بهدم قبر القسّام: عدوان يتخطّى الأحياء والأموات