أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل، الاثنين، عن تنظيم مسيرة وطنية حاشدة بالعاصمة تونس في 21 آب/ أغسطس الجاري، ردًّا على ما وصفه بـ”الاعتداء المدبر” الذي نفذه مناصرون للرئيس قيس سعيد على مقره المركزي الأسبوع الماضي، محمّلًا السلطات مسؤولية ما جرى وما قد يترتب عليه من تداعيات.
وأكد الاتحاد، في بيان صادر عن هيئته الإدارية العليا ونشره على موقعه الرسمي “الشعب نيوز”، أن التحرك سيكون عبر تجمع وطني في بطحاء محمد علي الحامي، يعقبه موكب سلمي نحو شارع الحبيب بورقيبة، مع إبقاء الهيئة في حالة انعقاد دائم لبحث خطوات تصعيدية لاحقة، بينها خيار الدعوة إلى إضراب عام في حال استمرار “ضرب الحوار الاجتماعي وعدم تنفيذ الاتفاقيات الممضاة”.
وفي لغة بدت أكثر حدة من بيانات سابقة، جدد الاتحاد اتهامه للسلطات بـ”التجييش والتحريض الممنهج ضد المنظمة الشغيلة”، مشيرًا إلى أن مجموعات من “أنصار السلطة” خططت مسبقًا للهجوم على مقر الاتحاد، في حادثة أثارت صدمة في الوسط النقابي والسياسي. كما حذّر البيان من تكرار هذه الاعتداءات، معتبرًا أن استمرارها قد يدفع البلاد إلى “دوامة من الفوضى والمجهول”، في ظل ما وصفه بتغاضي مؤسسات الدولة عن حماية العمل النقابي وضمان الحريات.

الطبوبي: نحن لا نسعى للتصادم ولكننا جاهزون
وفي افتتاح اجتماع استثنائي للهيئة الإدارية، قال الأمين العام نور الدين الطبوبي: “لا نسعى للتصادم، لكننا جاهزون للدفاع عن العمال بكل السبل المشروعة”. واتهم الطبوبي من وصفهم بـ”مأجوري صفحات فيسبوك” بشن حملة تشويه منظّمة ضد النقابيين، وصلت إلى حد “هتك الأعراض والتحريض الشخصي”، معتبرًا أن ذلك جزء من مخطط لإضعاف المنظمة ودفعها إلى التراجع عن مواقفها المستقلة.
كما قارن الطبوبي الاعتداء الأخير بممارسات “روابط حماية الثورة” التي برزت خلال أحداث 2011، مشيرًا إلى أن هذه التشبيهات ليست بريئة وربما تكشف عن وجود “تنسيق مسبق” لإعادة مشاهد الفوضى والترهيب السياسي.
وكشف الطبوبي أن النقابيين مُنعوا يوم الحادثة من الوصول إلى ساحة محمد علي، في حين “هيأت قوات الأمن كل الظروف لتواجد المعتدين أمام مقر الاتحاد”، وهو ما اعتبره دليلاً على “تواطؤ رسمي أو غضّ طرف متعمد”. وأضاف بلهجة حاسمة: “ساحة محمد علي لن تكون مباحة لأي كان، هي رمز النضال النقابي ولن نسمح بتدنيسها”.
الرئاسة تنفي… والاتحاد يشكك
من جهته، سعى الرئيس قيس سعيد إلى التقليل من أهمية الحادثة، نافياً وجود نية لدى المحتجين لاقتحام مقر الاتحاد، وواصفًا ما يتم تداوله بشأنها بأنه “ألسنة سوء” هدفها تشويه صورة أنصاره وإثارة البلبلة. إلا أن تصريحات سعيد لم تلق قبولًا لدى قيادة الاتحاد، التي ترى أن إنكار الرئاسة يهدف إلى التنصل من المسؤولية السياسية والأمنية.
ويأتي هذا التوتر على خلفية أزمة سياسية ممتدة منذ أن أعلن سعيد في 25 تموز/ يوليو 2021 إجراءات استثنائية شملت تجميد البرلمان وإقالة الحكومة وتوسيع صلاحياته التنفيذية والتشريعية، وهي خطوات وصفتها المعارضة بأنها “تكريس لحكم فردي”، بينما يعتبرها أنصار الرئيس “تصحيحًا لمسار الثورة”.
أزمة ثقة وضرب للحوار الاجتماعي
الاتحاد العام للشغل، الذي يعد أكبر منظمة نقابية في البلاد وصاحب ثقل تاريخي في معادلة الحكم، كان قد نأى بنفسه عن المشاركة في الحوارات السياسية التي دعا إليها سعيد، ومنح منخرطيه حرية التصويت في الاستفتاءات والانتخابات، مبررًا ذلك بإيمانه بـ”التعددية وحق الاختلاف”. لكن مع تشكيل حكومة الرئيس بعد 25 يوليو 2021، يرى الاتحاد أن الأمور انقلبت رأسًا على عقب، حيث تم – بحسب الطبوبي – “ضرب الحق النقابي ومصداقية التفاوض، وتعطيل المفاوضات الاجتماعية بشكل ممنهج”.
ويؤكد الاتحاد أن سلطات سعيد لم تُبدِ جدية في معالجة الملفات الاجتماعية والاقتصادية، بل عمدت إلى محاصرة العمل النقابي عبر إجراءات إدارية وقضائية وحملات إعلامية تحريضية. ويعتبر الطبوبي أن “من يريد تقييد الاتحاد أو حبسه في مربع ضيق، إنما يسعى لتصفية الحركة النقابية وإضعافها لصالح مشروع حكم فردي يضيق ذرعًا بالمعارضة”.
تحذير من الانزلاق نحو المجهول
تصريحات الطبوبي وتحذيرات الاتحاد من “المجهول” تعكس تخوفًا حقيقيًا من أن يتطور الصدام بين المنظمة والرئاسة إلى مواجهة مفتوحة، خاصة مع تزايد مؤشرات القمع وتضييق المجال العام. فحادثة الاعتداء على مقر الاتحاد – إن صحت رواية النقابيين – لا تمثل مجرد احتكاك سياسي، بل تحمل في طياتها رسائل ترهيب تستهدف كل القوى المعارضة لسياسات سعيد.
ويرى مراقبون أن هذا التصعيد النقابي قد يكون بداية مرحلة جديدة من المواجهة في الشارع، خصوصًا إذا مضى الاتحاد في تنفيذ تهديداته بالتصعيد والإضراب العام. مثل هذه الخطوات قد تشل القطاعات الحيوية، وتزيد الضغط على السلطة، لكنها في الوقت نفسه قد تفتح الباب أمام مزيد من القمع، في ظل ما يصفه معارضو سعيد بـ”النهج الأمني الصدامي” الذي يسلكه الرئيس في التعامل مع خصومه.
وفي ضوء التوتر الحالي، تبدو تونس مقبلة على أسابيع ساخنة قد تحدد مسار الأزمة السياسية والاجتماعية. فالاتحاد الذي لعب أدوارًا محورية في التوسط وحلحلة أزمات سابقة، بات اليوم في مواجهة مباشرة مع الرئاسة، في معركة يعتبرها دفاعًا عن الكرامة النقابية وحرية العمل السياسي، بينما يرى سعيد وأنصاره أن الاتحاد تجاوز دوره المهني إلى موقع المعارض السياسي.
وبين شد وجذب، يظل الشارع التونسي مترقبًا، فيما تتعاظم المخاوف من أن تتحول الخلافات السياسية إلى صراع مفتوح يهدد استقرار البلاد ويعيدها إلى أجواء الاضطرابات التي خبرتها بعد الثورة، في ظل أوضاع اقتصادية خانقة واحتقان اجتماعي غير مسبوق.
اقرأ أيضًا : تحذير أمريكي لرعاياها في الإمارات من الاقتراب من أماكن الإسرائيليين.. لماذا؟