عاد ملف الإخفاء القسري في جنوب اليمن إلى واجهة المشهد الحقوقي والسياسي، مع التحولات الميدانية الأخيرة التي أفضت إلى انحسار نفوذ ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة من الإمارات، وسيطرة القوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا على عدد من المحافظات الجنوبية والشرقية. هذا التحول أعاد فتح جراح قديمة لآلاف الأسر، ومنحها في الوقت ذاته بارقة أمل طال انتظارها لكشف مصير أبنائها الذين غيّبتهم السجون السرية منذ سنوات.
في مدينة عدن، التي كانت تعدّ المركز الأبرز لانتهاكات الإخفاء القسري منذ عام 2015، شهدت ساحة المعلا وقفة نسائية جديدة نظمتها رابطة أمهات المختطفين، شاركت فيها عشرات النساء من أمهات وزوجات وشقيقات المخفيين قسرًا. رفعت المشاركات صور أبنائهن ولافتات كُتبت عليها عبارات تطالب بالكشف الفوري عن مصيرهم، وإنهاء ما وصفنه بـ”الملف الأسود للسجون السرية” التي ارتبط اسمها بميليشيا الانتقالي خلال سنوات سيطرته على المدينة.
وأكدت الرابطة في بيان صادر عنها أن إعلان الدولة إحكام سيطرتها السياسية والأمنية على عدن يضع على عاتق السلطات مسؤولية قانونية وأخلاقية عاجلة لمعالجة هذا الملف دون تسويف أو تأجيل. وشدد البيان على أن استمرار الصمت أو المماطلة بعد هذه التطورات سيُعدّ تواطؤًا جديدًا مع الجريمة، وليس مجرد تقصير إداري.
سنوات من البحث بلا إجابة
منذ عام 2015، لم تتوقف أسر المخفيين قسرًا في عدن وحضرموت عن طرق أبواب المعسكرات ومكاتب السلطات المحلية والجهات الأمنية، بحثًا عن أي معلومة تقودهم إلى ذويهم. لكنّ تلك المساعي، كما تقول الأسر، قوبلت بالتجاهل أو الوعود الفارغة، في ظل هيمنة التشكيلات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، وعلى رأسها قوات الانتقالي.
بين زوجات ينتظرن عودة أزواجهن، وأطفال كبروا دون أن يعرفوا مصير آبائهم، وآباء وأمهات يعيشون على أمل لقاء مؤجل، تتراكم قصص إنسانية موجعة لعائلات مزّقها الإخفاء القسري، وترك في حياتها فراغًا لا يملؤه الزمن.
المواطن سعيد عمر القميشي يروي لـ”الجزيرة نت” قصة اختفاء ابنيه محمد وصالح منذ عام 2016، قائلًا: “سلّمت ابني محمد للأمن بأوراق رسمية، ثم نُقل مع أخيه إلى جهة مجهولة، ومنذ ذلك اليوم وأنا أطرق كل الأبواب دون فائدة”. ويضيف بنبرة يختلط فيها الغضب بالألم: “لا أريد سوى أن أعرف إن كانا على قيد الحياة، أو أن أعرف مصيرهما الحقيقي”.
شهادات متكررة ونمط واحد
سهام أحمد، شقيقة أحد المخفيين، تقول إن شقيقها زكريا اختُطف في نهاية يناير/كانون الثاني 2018 من أمام منزله في حي المعلا بعدن، على يد قوة أمنية، ولم يُعرف عنه شيء منذ ذلك الحين. وترى سهام أن تغيّر ميزان السيطرة في عدن والمحافظات الجنوبية الأخرى يجب أن يضع حدًا لهذه المعاناة، مطالبة السلطات الجديدة بالتحرك الفوري للكشف عن المختفين وإخلاء جميع السجون السرية.
وفي حضرموت، لا تختلف القصة كثيرًا. تحكي أسرة أحمد فايز بايمين عن اختطافه خلال شهر رمضان عام 2019 على يد مسلحين، قبل نقله إلى مطار الريان، الذي تحوّل في تلك الفترة إلى رمز للاحتجاز خارج القانون. رحلة البحث التي خاضتها الأسرة لم تفضِ إلى أي نتيجة حتى اليوم، رغم تعدد المناشدات والوساطات.
مناشدات حقوقية واختبار للدولة
تؤكد رابطة أمهات المختطفين أن عدد المخفيين قسرًا في عدن وحدها يبلغ 62 شخصًا، مطالبة بتحرك عاجل للكشف عن مصيرهم، وتمكين أسرهم من حقهم الإنساني والقانوني في معرفة الحقيقة. بدورها، اعتبرت منظمة “صحفيات بلا قيود” أن اللحظة الراهنة تمثل فرصة حاسمة لمعالجة أحد أخطر الملفات الحقوقية في جنوب اليمن، داعية الحكومة والمجلس الرئاسي إلى الكشف عن جميع مراكز الاحتجاز التي كانت تُدار من قبل قوات الانتقالي، وإغلاق أي مرافق تعمل خارج الإطار القانوني.
ويرى رئيس منظمة “سام” للحقوق والحريات توفيق الحميدي أن الملف بات اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على الانتقال من مجرد التوثيق الحقوقي إلى المساءلة القضائية. ويؤكد أن معالجة القضية تتطلب تشكيل لجنة تحقيق متخصصة، وبناء قاعدة بيانات دقيقة، وربط الوقائع بسلاسل القيادة والأوامر، وصولًا إلى تحديد المسؤولية الفردية عن الانتهاكات.
كما دعا المركز الأميركي للعدالة السلطات اليمنية إلى فتح تحقيقات قضائية مستقلة في جرائم الإخفاء القسري والتعذيب، وإغلاق السجون غير القانونية، وإحالة المسؤولين عنها إلى القضاء، مشددًا على حق الضحايا في الحقيقة والإنصاف وجبر الضرر.
وكانت تقارير أممية ومنظمات دولية، بينها “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية”، قد وثّقت منذ عام 2016 عشرات حالات الإخفاء القسري والتعذيب في عدن وحضرموت وغيرها، محذّرة من أن بعض المختفين ربما لقوا حتفهم داخل أماكن الاحتجاز. اليوم، ومع تغيّر موازين القوة، يبقى السؤال معلقًا: هل تتحول هذه اللحظة إلى بداية عدالة مؤجلة، أم تُطوى الصفحة كما طُويت غيرها؟
اقرأ أيضًا : وسم «عزل السيسي» يتصدر مواقع التواصل الاجتماعي بعد إطلاق استفتاء إلكتروني من حركة «GenZ002»