بقلم / فهد المطيري

منذ صعود محمد بن سلمان إلى واجهة الحكم في السعودية، راهنت المملكة على الحماية الأمريكية باعتبارها ضمانة بقاء النظام واستقراره. غير أن تجربة السنوات الماضية، خصوصًا خلال ولاية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، أظهرت أن هذه “الحماية” لم تكن سوى وهم مدفوع الثمن الباهظ. فقد استنزفت واشنطن مئات المليارات من الخزينة السعودية تحت شعار “الحماية”، بينما أثبتت الأحداث، مثل هجمات أرامكو عام 2019، أن الولايات المتحدة لم تكن قادرة أو ربما لم تكن راغبة في حماية حليفها الخليجي.

اليوم، وبعد أن تجرعت الرياض مرارة الخداع الأمريكي، تتجه نحو البحث عن بدائل استراتيجية لتأمين نفسها بعيدًا عن المظلة الأمريكية. وفي هذا السياق، برزت كل من باكستان وتركيا كشريكتين محتملتين لتعويض الفشل الأمريكي، حيث وقّعت الرياض اتفاق دفاعي مشترك مع إسلام آباد، ثم انتقلت مباشرة إلى تعزيز شراكتها الدفاعية مع أنقرة.

باكستان النووية أولاً.. ثم تركيا الصناعية

الاتفاق الدفاعي مع باكستان لم يكن خطوة عابرة. فالسعودية، التي تدرك أهمية باكستان كقوة نووية إسلامية، تراهن على هذا التعاون لتحقيق توازن مع التهديدات الإقليمية، وخاصة مع إيران. لكن الاكتفاء بباكستان لا يكفي، خصوصًا في ظل حاجات المملكة المتزايدة لتطوير صناعاتها الدفاعية وتوطين التكنولوجيا العسكرية.

وهنا يأتي الدور التركي. فتركيا، التي نجحت في السنوات الأخيرة في التحول إلى قوة صناعية عسكرية صاعدة، تُعتبر خيارًا مثاليًا للرياض. فهي تملك خبرة في تطوير الطائرات المسيّرة، والمدرعات، والصواريخ، إضافة إلى منظومات الحرب الإلكترونية. هذه القدرات تجعل من أنقرة شريكًا قادرًا على دعم رؤية السعودية لتوطين 50% من صناعاتها الدفاعية بحلول 2030.

لقاءات إسطنبول.. إشارات سياسية وعسكرية

زيارة مساعد وزير الدفاع السعودي للشؤون التنفيذية خالد البياري إلى إسطنبول، ولقاؤه بكل من رئيس هيئة الصناعات الدفاعية التركية خلوق غورغون ووزير الصناعة والتكنولوجيا محمد فاتح قاجر، لم تكن مجرد اجتماعات بروتوكولية. بل جاءت لتكشف عن توجه سعودي استراتيجي جديد يقوم على تنويع مصادر التسليح، وتوسيع دوائر الشركاء بعيدًا عن الاعتماد الكلي على واشنطن.

اللقاءات تزامنت مع مشاركة السعودية في مهرجان “تكنوفست”، الذي يُعد واجهة تركيا لإبراز قوتها التكنولوجية والعسكرية. ومن الواضح أن الرياض أرادت من خلال هذه المشاركة إرسال رسالة مزدوجة: فهي من جهة تفتح باب الشراكة مع أنقرة، ومن جهة أخرى تعلن أنها قادرة على إيجاد بدائل عن الهيمنة الأمريكية.

جذور التعاون الدفاعي السعودي-التركي

التقارب العسكري بين الرياض وأنقرة ليس وليد اللحظة. ففي مارس/آذار الماضي، التقى وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان نظيره التركي ياشار غولر، حيث بحثا تعزيز التعاون الدفاعي. وفي ديسمبر/كانون الأول، ترأس رئيس هيئة الأركان العامة السعودي اجتماع اللجنة العسكرية المشتركة السادس مع نظيره التركي الفريق أول متين غوراك، وهو ما أكد وجود مسار مؤسسي للتعاون الدفاعي بين البلدين.

لكن الجديد اليوم هو أن السعودية لم تعد تنظر إلى تركيا كشريك عابر، بل كخيار استراتيجي في مواجهة التحولات الإقليمية والدولية. فمع تراجع الاعتماد على واشنطن، تحاول الرياض صياغة شبكة أمان متعددة الأطراف، تكون تركيا إحدى ركائزها الأساسية.

ميزانية دفاعية ضخمة تبحث عن شريك

تخصيص السعودية ميزانية دفاعية تبلغ 78 مليار دولار لعام 2025، وهي الأعلى في الشرق الأوسط، يعكس رغبة حقيقية في تحويل هذه الأموال إلى مشاريع ملموسة لا مجرد صفقات شراء. فبعد سنوات من شراء الأسلحة الأمريكية دون نتائج عملية على مستوى الحماية، باتت المملكة تبحث عن شريك قادر على نقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعة العسكرية، وتمكينها من إنتاج أسلحتها محليًا.

تركيا هنا تقدم نفسها كخيار مثالي: فهي مستعدة لتصدير التكنولوجيا العسكرية، ولديها تجارب ناجحة مع دول أخرى مثل أذربيجان وقطر. وهذا ما يجعل من التعاون السعودي-التركي صفقة رابحة للجانبين، إذ تحصل الرياض على الخبرة والتقنية، بينما تحصل أنقرة على الأموال والاستثمارات.

السياق الإقليمي والدولي: ما وراء الخطوة

لا يمكن فصل الخطوة السعودية عن سياق إقليمي أوسع. فالمملكة تشهد حالة من القلق بعد الحرب على غزة وتوسع نفوذ إيران، إلى جانب التنافس مع الإمارات على النفوذ الإقليمي. وفي الوقت نفسه، تشهد العلاقة مع واشنطن فتورًا واضحًا، حيث باتت الأخيرة تركز على أولويات أخرى في آسيا وأوروبا.

لذلك، فإن تعزيز التعاون مع تركيا لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد إلى البعد السياسي. فأنقرة تُعد لاعبًا محوريًا في ملفات مثل سوريا والعراق وليبيا، وتستطيع أن تمنح الرياض أوراق قوة إضافية في هذه الساحات.

خلاصة: فشل الرهان على واشنطن وبداية البحث عن البدائل

ما يجري اليوم يعكس بوضوح فشل الرهان السعودي على الحماية الأمريكية. فبعدما خدع ترامب الرياض واستولى على أموالها تحت ذريعة “الحماية”، اكتشفت المملكة أن أمنها لا يمكن أن يُشترى بالدولارات. لذلك، بدأت تبحث عن بدائل واقعية، ووجدت في باكستان النووية وتركيا الصناعية شريكين محتملين لتقليص اعتمادها على واشنطن.

لكن يبقى السؤال: هل تنجح السعودية فعلًا في بناء تحالفات دفاعية جديدة تضمن استقلال قرارها الأمني؟ أم أن هذه التحركات لن تكون سوى أوراق ضغط تفاوضية تستخدمها الرياض مع واشنطن للحصول على مزيد من الضمانات؟ الإجابة ستتضح مع مرور الوقت، لكن المؤكد أن زمن الوهم الأمريكي قد انتهى، وأن السعودية مضطرة لإعادة رسم خريطتها الأمنية بعيدًا عن “الحماية الأمريكية” التي لم تكن سوى صفقة خاسرة.

اقرأ أيضًا : عضو بوفد حماس يكشف تفاصيل محاولة اغتيال في الدوحة: ترامب منح الضوء الأخضر