في مشهد يختزل مأساة غزة ويكشف زيف شعارات الرياضة العالمية، فجّرت مقررة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، موجة من الجدل بعدما دعت، الأحد، الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) إلى طرد إسرائيل من مسابقاته، في أعقاب مقتل نجم الكرة الفلسطينية سليمان العبيد، المعروف بـ”بيليه فلسطين”، على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي.
ألبانيز، التي لم تتوانَ عن مواجهة الخطاب الغربي المزدوج تجاه القضية الفلسطينية، أعادت نشر منشور رسمي لـ”يويفا” على منصة “إكس”، مرفق بصورة العبيد (44 عاماً)، كتب فيه الاتحاد: “وداعاً لسليمان العبيد، بيليه فلسطين. موهبة أعادت الأمل لأطفال لا حصر لهم، حتى في أحلك الأوقات”، لكنها وجهت خطابها مباشرة للاتحاد قائلة: “إلى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، حان الوقت لطرد قاتليه من المسابقات”. وأردفت: “لنجعل الرياضة خالية من التمييز العنصري والإبادة الجماعية. كرة واحدة، ركلة واحدة”.

اغتيال نجم على خطوط الإغاثة
مقتل العبيد لم يكن حادثاً عابراً، بل جريمة جديدة في سجل الاحتلال الدموي بحق المدنيين والرياضيين على حد سواء. فقد قضى النجم الفلسطيني الأربعاء الماضي، إثر غارات إسرائيلية استهدفت تجمعات لمدنيين ينتظرون المساعدات الإنسانية جنوبي قطاع غزة.
العبيد، الذي لعب 24 مباراة دولية مع منتخب “الفدائي” وسجل خلالها هدفين، حمل خلال مسيرته الرياضية أكثر من 100 هدف، معظمها مع نادي خدمات الشاطئ، ليصبح رمزاً كروياً فلسطينياً ومصدر إلهام للأجيال الشابة.
لكن الاحتلال، الذي لا يفرّق في استهدافه بين مسلّح ورياضي أو بين مدني وطفل، أنهى حياته ضمن سلسلة طويلة من الجرائم التي طالت قطاع الرياضة الفلسطيني، حيث ارتفع عدد الضحايا من الرياضيين إلى 321 شخصاً منذ بدء العدوان، بينهم لاعبين ومدربين وحكاماً وإداريين.
الرياضة تحت الاحتلال.. ساحة أخرى للإبادة
دعوة ألبانيز لطرد إسرائيل من “يويفا” ليست مجرد موقف عاطفي، بل رسالة سياسية وأخلاقية تسلط الضوء على تواطؤ الصمت الدولي مع جرائم الاحتلال. فالمبادئ التي تقوم عليها المؤسسات الرياضية الكبرى، وعلى رأسها “الفيفا” و”يويفا”، تؤكد أن الرياضة يجب أن تكون خالية من العنصرية والتمييز، وأنها لا يمكن أن تنفصل عن القيم الإنسانية الأساسية.
ورغم ذلك، تستمر إسرائيل في المشاركة بالمسابقات الأوروبية لكرة القدم، رغم سجلها الملطخ بدماء المدنيين والرياضيين، في تناقض فج مع القرارات السابقة للاتحاد الدولي تجاه دول أخرى، كما حدث مع استبعاد روسيا من المنافسات بعد غزو أوكرانيا.
الازدواجية هنا صارخة: إذ تُعاقب دول لمجرد نزاعات سياسية أو عسكرية، بينما تُمنح إسرائيل حصانة رياضية رغم ارتكابها ما تصفه تقارير الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية بـ”الإبادة الجماعية”.
أرقام تكشف حجم المأساة
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تشن إسرائيل حرباً شاملة على قطاع غزة، بدعم عسكري وسياسي مفتوح من الولايات المتحدة، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر محكمة العدل الدولية بوقف العدوان.
حصيلة الضحايا حتى الآن صادمة:
- 61,258 شهيداً، معظمهم من الأطفال والنساء.
- 152,045 جريحاً، كثيرون منهم بإعاقات دائمة.
- أكثر من 9,000 مفقود تحت الأنقاض.
- 217 وفاة بسبب المجاعة، بينهم 100 طفل، نتيجة الحصار ومنع المساعدات.
-
مئات آلاف النازحين الذين فقدوا منازلهم وسبل عيشهم.
هذه الأرقام، إلى جانب تدمير البنية التحتية ومنع وصول المساعدات، تجعل من غزة ساحة حرب إبادة، وليست مجرد “نزاع” كما يحاول الإعلام الغربي الرسمي تصويره.
الإجرام الممنهج للاحتلال
اغتيال العبيد ليس سوى جزء من استراتيجية إسرائيلية أوسع تستهدف البنية المجتمعية الفلسطينية بالكامل. فالاحتلال يدرك أن الرياضة ليست مجرد نشاط ترفيهي، بل أداة لتوحيد المجتمع وبث الأمل، وبالتالي فإن تصفيتها جزء من سياسة “كسر الروح”.
هذا النهج يعكس جوهر الإجرام الإسرائيلي الذي يمتد منذ عقود، بدءاً من اغتصاب الأرض وتهجير السكان، مروراً بسياسة الاستيطان وفرض الحصار، وصولاً إلى القتل المباشر والتجويع، في خرق صارخ لكل المواثيق الدولية.
كما أن مواصلة إسرائيل احتلال أراضٍ فلسطينية وسورية ولبنانية منذ ما قبل حرب 1967، ورفضها إقامة دولة فلسطينية مستقلة، يكشف أن جرائمها الرياضية ليست معزولة عن سياقها الاستعماري الأشمل.
الرياضة.. جبهة جديدة للمقاومة الأخلاقية
دعوة ألبانيز تفتح الباب أمام حراك رياضي عالمي للضغط على “يويفا” و”الفيفا” لإيقاف عضوية إسرائيل، ليس فقط كعقوبة على مقتل العبيد، بل لوقف التواطؤ مع نظام فصل عنصري يرتكب جرائم إبادة.
التاريخ يثبت أن الرياضة قادرة على لعب دور حاسم في تغيير الأنظمة الظالمة، كما حدث مع جنوب أفريقيا إبان نظام الفصل العنصري، حيث ساهمت المقاطعة الرياضية في إسقاط شرعية النظام عالمياً.
اليوم، يجد العالم نفسه أمام اختبار مشابه: هل ستبقى ملاعب أوروبا مفتوحة أمام دولة متهمة بالإبادة، أم أن قيم الرياضة ستنتصر على المصالح السياسية؟
خاتمة
اغتيال “بيليه فلسطين” هو جرس إنذار جديد بأن الاحتلال الإسرائيلي لا يعترف بأي خطوط حمراء، وأن صمته العالمي يمنحه الضوء الأخضر للاستمرار.
رسالة ألبانيز للعالم واضحة: لا يمكن أن ندّعي أن الرياضة رمز للوحدة والسلام بينما نسمح للمجرمين بلعب دور الأبطال على العشب الأخضر.
طرد إسرائيل من المسابقات الرياضية ليس مجرد خطوة رمزية، بل موقف أخلاقي وإنساني يعيد للرياضة معناها الحقيقي: أن تكون ساحة للحرية، لا منصة لتبييض جرائم الإبادة.
اقرأ أيضًا : تحذير أمريكي لرعاياها في الإمارات من الاقتراب من أماكن الإسرائيليين.. لماذا؟