في واحدة من أبشع المجازر التي تشهدها الحرب السودانية، كشفت صحيفة واشنطن بوست في تقرير استقصائي مطوّل عن جريمة قتل جماعي نفذتها قوات الدعم السريع بحق مدنيين في منطقة الصالحة بمدينة أم درمان.
المذبحة، التي وقعت يوم 27 أبريل/نيسان، راح ضحيتها ما لا يقل عن 31 شخصًا، معظمهم من الرجال الذين كانوا يحاولون الفرار بأسرهم من جحيم المعارك.
التقرير المبني على شهادات ناجين، ومقاطع فيديو موثقة، وأدلة ميدانية، يكشف فصولاً مرعبة عن انهيار الانضباط داخل قوات الدعم السريع، وسط إشارات متكررة إلى تعاطي المخدرات، والاتجار بها، ما جعل من هذه المليشيا قوةً منفلتة تتفنن في القتل والسحل والترويع.
أمل إسماعيل، وهي أم شابة نجت من المجزرة، تحدثت عن لحظات الرعب حينما تم توقيف القافلة عند حاجز تفتيش، وإجبار الرجال على النزول والنساء على الصمت. “كنا نرى أزواجنا وإخوتنا يتعرضون للضرب”، قالت باكية. بعد دقائق، بدأ القتل. الرجال تم فصلهم، تعرض بعضهم للتعذيب، وقُتل آخرون رمياً بالرصاص أو بالضرب المبرح. البعض أُخذوا إلى غرف مجاورة وأُطلق عليهم النار، فيما وثّق فيديو مسرّب أحد عناصر الدعم السريع وهو يقول: “اقتل ولا تتهاون”.

مخدرات وسلاح وتواطؤ.. ماذا حدث داخل الصالحة؟
وفق التقرير، فإن المجزرة لم تكن حادثاً معزولاً، بل نتاج مسار طويل من التدهور الأمني، وتعاظم نفوذ العناصر غير المنضبطة في صفوف الدعم السريع، المدعومة إماراتياً. إذ يشير الصحفيون الذين زاروا مناطق قريبة من الصالحة إلى انتشار بيع وتجارة المخدرات، وتحديداً الكبتاغون المصنع في معامل مموّهة.
في إحدى البنايات التي زارها فريق الصحيفة، وُجدت عبوات كتب عليها “مكمل غذائي للحيوانات – صنع في سوريا”، وهي ذات العبوات التي كانت تصدَّر من مصانع الكبتاغون التابعة لنظام الأسد، حليف الإمارات القديم في تجارة الفوضى والمخدرات.
وأكدت شهادات السكان أن عناصر الدعم السريع -وبخاصة المجندين الجدد الذين قدموا من خارج الخرطوم وجنوب السودان– كانوا يتعاطون الكبتاغون علناً، ويبيعونه في الأسواق، ما خلق أجواء من الانفلات التام، والاعتداءات الجنسية، والقتل العشوائي. رحاب إسماعيل قالت إن أطفالاً بعمر 13 عاماً “كانوا يشمون المسحوق الأبيض ثم يتحرشون بالنساء”، بينما تحدثت أم لأربعة أطفال عن إطلاق نار عبثي على أحد الفتيان أمام منزله.
المدهش في الروايات أن العائلات دفعت ما يقرب من 1200 دولار لقادة في الدعم السريع للسماح لها بالمغادرة الآمنة، مما يكشف حجم الابتزاز الذي تمارسه هذه الميليشيا باسم السيطرة الأمنية. وبعد ساعات فقط من مغادرة القافلة، أوقفتها عناصر أخرى تتبع للدعم السريع عند نقطة تفتيش، وبدأت المجزرة.
دماء المدنيين مقابل بروباغندا إماراتية وتهرّب من المسؤولية
التقرير أبرز أن قيادة الدعم السريع لم ترد على استفسارات الصحيفة، واكتفت بنشر نفي سريع عبر منصة “إكس” على لسان كبير المستشارين الباشا طبيق، ادعى فيه أن الجنود الذين ظهروا في الفيديو ليسوا تابعين للقوة. لكن الحقيقة فضحت نفسها سريعًا: قائد في الدعم السريع يُدعى “جار النبي عبد الله” ظهر لاحقًا في فيديو على تيك توك وهو يعترف بفخر أنه من أمر بقتل المدنيين، معلنًا رقم شارته العسكرية، ومتهمًا العائلات بأنها “تخفي أسلحة” – دون دليل.
اللافت في سرد التقرير أن هذه المجزرة ليست سوى فصل من رواية أوسع عن الانهيار الأخلاقي والدعمي لقوات الدعم السريع، والتي تتلقى –وفق تقارير دولية متطابقة– تمويلًا ودعمًا سياسيًا من الإمارات منذ سنوات. هذه العلاقة المثيرة للجدل ظهرت سابقًا في دعم قوات حفتر بليبيا، ومرتزقة فاغنر في أفريقيا الوسطى، واليوم تتجسد عبر ميليشيا “حميدتي” في السودان.
أبناء أمل، وجمعة، وسراج، ومحمد، والعديد من الناجين، لا يعرفون اليوم كيف يتعقبون المفقودين. فالاتصالات مقطوعة، والحي مدمر، والناجون مشتتون. أما قوات الدعم السريع، فتسعى إلى إخفاء آثار الجريمة، عبر حملات إعلامية تروج لصورتها كمُخلّص للشعب من حكم عسكري قمعي. لكن شهادات الضحايا ومقاطع الفيديو التي تم التحقق منها تُظهر العكس تماماً: دولة ظلّ، يقودها تجار دم ومخدرات.
خاتمة: المذبحة ستبقى وصمة على جبين داعمي الميليشيا
مجزرة الصالحة لن تُنسى. لا بسبب عدد الضحايا فقط، بل لطبيعة الجريمة التي تمت بدم بارد، ولأنها تلخص مأساة السودان في هذه المرحلة: شعب يبحث عن ممر آمن للحياة، وميليشيات تغلق عليه الأبواب وتطلق الرصاص.
أما من يزوّد هذه الميليشيات بالمال والسلاح والإفلات من العقاب –سواء من أبوظبي أو غيرها– فشراكتهم في الدم لا تقل فظاعة عن ضغط الزناد.
اقرأ أيضًا : السويداء بين سلاح الداخل وغارات الخارج.. هل تنجح الدولة السورية في فرض الأمن؟