يقف مجلس القيادة الرئاسي في اليمن أمام أخطر اختبار منذ تأسيسه في نيسان/أبريل 2022، في ظل تصاعد الانقسامات داخله وتضارب المشاريع السياسية والعسكرية بين مكوناته، وعلى رأسها مشروع المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، الساعي إلى فرض الانفصال كأمر واقع بالقوة. 

ومع التوسع الأخير لقوات الانتقالي في محافظتي حضرموت والمهرة شرق البلاد، دون قتال يُذكر، تتعاظم التساؤلات حول مستقبل المجلس الرئاسي: هل اقترب من مرحلة التفكك؟ أم أنه يعيش أزمة بنيوية مؤجلة الانفجار؟

التناقض البنيوي منذ التأسيس

منذ لحظة ولادته، تشكّل مجلس القيادة الرئاسي على قاعدة هشة، ضمت أطرافًا متناقضة في الرؤية والمشروع الوطني. فبينما يتمسك بعض أعضائه بمرجعية “اليمن الموحد”، يحمل آخرون مشروعًا انفصاليًا معلنًا. هذا التناقض، وفق مراقبين، لم يكن خلافًا سياسيًا عابرًا، بل زرع بذور صراع انفجرت مع توسع النفوذ العسكري للمجلس الانتقالي، خاصة في الجنوب.

اختبار حضرموت والمهرة

يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء، عادل الشجاع، أن سيطرة ميليشيا المجلس الانتقالي على حضرموت والمهرة مثلت اختبارًا وجوديًا للمجلس الرئاسي، مشيرًا إلى أن التركيبة غير المتجانسة للمجلس جعلته عاجزًا عن مواجهة هذا التحدي. ويؤكد أن جمع مشروع الوحدة مع مشروع الانفصال داخل سلطة واحدة خلق مأزقًا بنيويًا لا يمكن استمراره طويلًا.

تفكك مؤجل أم فوضى طويلة؟

وردا على سؤال حول اقتراب تفكك المجلس، يرى الشجاع أن السيناريو ليس وشيكًا، لكنه وارد جدًا، موضحًا أن السعودية ما تزال بحاجة إلى بقاء المجلس كغطاء للشرعية الدولية. لكنه يحذر من سيناريو “الفوضى الهيكلية”، حيث تتعدد السلطات وتتراجع فعالية الدولة المركزية دون إعلان انفصال رسمي، وهو واقع معقد قد يستمر لسنوات.

تحالفات متحركة داخل المجلس

من جانبه، يشير الكاتب والصحفي اليمني فؤاد العلوي إلى تبدلات واضحة في تحالفات مجلس القيادة الرئاسي، حيث تميل الكفة لصالح المجلس الانتقالي، بدعم أربعة من أعضاء المجلس لتحركاته الأخيرة، بينهم طارق صالح. في المقابل، تظل مواقف بعض الأعضاء ضبابية، بانتظار حسم موازين القوة قبل إعلان اصطفافهم النهائي.

مواقف متباينة بين الصمت والرفض

بحسب العلوي، فإن موقف رشاد العليمي الرافض لتحركات الانتقالي جاء بعد وضوح الموقف السعودي، بينما يتعامل محافظ مأرب سلطان العرادة بحذر سياسي، رغم أن محافظته من أكثر المتضررين من تمدد الانتقالي. ويعكس هذا التباين حجم الانقسام داخل بنية المجلس الرئاسي.

الانتقالي يفرض واقعًا جديدًا

بدوره، يحذر الكاتب والمحلل السياسي ياسين التميمي من أن التوسع العسكري للانتقالي لا يهدد وحدة المجلس الرئاسي فقط، بل يضرب جوهر الدولة اليمنية. ويؤكد أن هيمنة الانتقالي على عدن منذ سنوات همّشت صلاحيات الرئاسة، ومهدت لفرض قرارات وتعيينات خارج الإطار الدستوري.

دور الإمارات وحدود التصعيد

يرى التميمي أن ما يجري هو نتاج دعم إماراتي مباشر لم يكن خافيًا، مشيرًا إلى أن الأخطر من التحرك العسكري هو تكريس واقع سياسي جديد يُفرض بالقوة. في المقابل، يرى أن السعودية تمتلك فرصة لإعادة ضبط المشهد إذا قررت تقليص نفوذ الانتقالي في حضرموت والمهرة.

مواقف رسمية تحذر من الانهيار

في هذا السياق، دان مجلس النواب اليمني الإجراءات الأحادية للمجلس الانتقالي، واعتبرها مخالفة صريحة للشرعية الدستورية وصلاحيات مجلس القيادة الرئاسي. كما حذر رشاد العليمي من أن تصرفات الانتقالي تقوض شرعية الحكومة المعترف بها دوليًا.

اليمن إلى أين؟

في المقابل، يواصل رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي المدعوم من الإمارات الترويج لمرحلة “دولة الجنوب العربي”، في خطاب يعكس ثقة متزايدة ونشوة سياسية. وبين مشروع انفصالي مدعوم إماراتيًا وشرعية منهكة تبحث عن سند، يبدو اليمن مقبلًا على مرحلة شديدة التعقيد، حيث لم يصل المجلس الرئاسي بعد إلى التفكك الرسمي، لكنه يقف على حافة أزمة قد تعيد رسم شكل الدولة اليمنية برمتها.

اقرأ أيضًا : بن غفير يلوّح بهدم قبر القسّام: عدوان يتخطّى الأحياء والأموات