في خطوة تعكس صعود نهج أكثر تطرّفاً داخل الحكومة الإسرائيلية، جدد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير تهديده بهدم قبر الشيخ المجاهد عز الدين القسام، الواقع في مقبرة بلدة الشيخ قرب مدينة حيفا شمالي فلسطين المحتلة، في مشهد يخلط بين التحريض الأيديولوجي والتلاعب السياسي و”الاستعراض القومي” الذي بات علامة فارقة في سلوك الوزير اليميني المتشدد.
ونشر بن غفير، الخميس، مقطع فيديو على حسابه في منصة تلغرام ظهر فيه وهو يشرف على إزالة خيمة أقامتها لجنة الوقف الإسلامي قرب ضريح القسام، مكرراً خطاباً عدائياً ضد المكان ومحيطه. وقال: “هذه أراضينا، وأراضي دولة إسرائيل… هذه خطوة أولى لإخراج الاستعراض التحريضي المسمى قبر عز الدين القسام”، مضيفاً بفخر – على حد تعبيره – أنه يقوم بفرض “السيطرة والنظام”.
وفي منشور آخر على منصة إكس، صعّد بن غفير لهجته قائلاً: “يجب هدم قبر الإرهابي البارز عز الدين القسام… وقد اتخذنا الخطوة الأولى صباح أمس”، في إشارة واضحة إلى نيته تحويل التهديد إلى إجراء ميداني، في حال لم تعترض عليه مؤسسات إسرائيلية أخرى قضائياً أو دينياً.
هذه التصريحات ليست جديدة تماماً، لكنها تأتي اليوم في لحظة تتقاطع فيها عوامل سياسية داخلية وميدانية تتيح لبن غفير الدفع بمشاريعه الإيديولوجية نحو مستوى أكثر وقاحة، مستفيداً من حالة الاستقطاب في المجتمع الإسرائيلي، ومن الضعف البنيوي الذي يعيشه الائتلاف الحاكم الساعي إلى إرضاء قواعد اليمين المتشدد بأي ثمن.
إجرام سياسي ومزايدات انتخابية
لا يمكن فصل تهديدات بن غفير عن موقعه داخل الحكومة الإسرائيلية، فهو من قادة التيار الديني القومي الفاشي الذي يرى أن كل ما هو عربي – بشراً أو حجارة أو قبوراً – يشكل “تهديداً” ينبغي محوه. وفي السنوات الأخيرة، تحولت سياساته إلى مزيج من الإقصاء والعنصرية والتحريض، تُمارَس تحت غطاء “الأمن” و”فرض السيادة”، لكنها عملياً امتداد لمحاولات أعمق لإلغاء الوجود العربي مادياً ورمزياً على الأرض.
استهداف قبر القسام ليس عملاً إدارياً كما يحاول الوزير تصويره، بل هو فعل سياسي بامتياز يستهدف رمزاً مركزياً في ذاكرة النضال الفلسطيني، إذ يمثل الشيخ القسام شخصية تاريخية أطلقت شرارة أول ثورة كبرى ضد الاحتلال البريطاني عام 1936. وبالتالي، فإن المساس بمكان دفنه يعني المساس بالسردية الوطنية نفسها.
يقرأ محللون التصعيد الأخير باعتباره محاولة من بن غفير لاستعادة المبادرة داخل اليمين المتطرف بعد أشهر من الخلافات داخل الائتلاف، إلى جانب رغبته في تكريس صورة “الرجل القوي” الذي لا يتردد في فرض أجندته. كما أن الوزير، المعروف بانتمائه لمدرسة كهانا العنصرية، يجد في الهجوم على الرموز الإسلامية ورقة رابحة أمام جمهوره الذي يطالب بفرض سيطرة يهودية كاملة على كل ما تبقى من معالم عربية في الداخل المحتل.
ردود فلسطينية: “تعدٍّ على حرمة الأموات”
حركة “حماس” ردت بقوة على التهديدات، معتبرة إياها تجاوزاً لكل الخطوط الحمراء. وقال القيادي محمود مرداوي في بيان إن بن غفير “يكشف حجم الانحطاط الأخلاقي الذي وصل إليه الاحتلال”، واصفاً سلوكه بأنه يعكس عقلية انتقامية لا تتورع عن العبث بقبور الموتى ورموز الأمة.
مرداوي شدد على أن خطوة كهذه لن تمر دون تبعات، وأن المساس بضريح القسام “يستهدف الذاكرة والهوية الفلسطينية قبل أن يستهدف حجراً في مقبرة”، معتبراً أن الاحتلال يسعى لشنّ حرب على كل ما له علاقة بتاريخ الفلسطينيين ومعنى وجودهم.
القسام… رمز لا يُمحى
ولد الشيخ عز الدين القسام عام 1883 في بلدة جبلة السورية، وبرز خلال العقدين الأولين من القرن العشرين كأحد أبرز قيادات المقاومة ضد الاحتلالين الفرنسي والبريطاني. وبعد انتقاله إلى فلسطين، أسس خلايا مقاومة مسلحة شكلت النواة الأولى للكفاح المنظم ضد الانتداب البريطاني.
استشهد القسام في معركة أحاطت به قرب جنين عام 1935، وخلّد الفلسطينيون اسمه بإطلاقه على الثورة الكبرى التي اندلعت بعد عام واحد، فيما حمل جناح حركة “حماس” العسكري لاحقاً تسمية “كتائب الشهيد عز الدين القسام”، ليصبح رمزاً يتجاوز حدود المكان والزمن. ومن هنا تتضح حساسية التهديد الإسرائيلي: فالقبر ليس مجرد مَعلم، بل جزء من ذاكرة وطنية تتوارثها الأجيال.
رسائل خطيرة تتجاوز المقبرة
تحركات بن غفير لا تقتصر على أهداف دينية أو تاريخية، بل تأتي ضمن سياق أوسع يطال مجمل الوجود العربي في فلسطين المحتلة، سواء عبر سنّ قوانين تقيّد الحقوق المدنية، أو عبر توسيع الهجمات على المقدسات الإسلامية في القدس والداخل، أو من خلال محاولات محو الرموز الوطنية التي تشكل روافع معنوية للشعب الفلسطيني.
بمعنى آخر، التهديد بهدم قبر القسام يحمل رسالة سياسية خطيرة مفادها أن الاحتلال بات مستعداً لنسف كل خطوط التعايش الهش، وتوسيع دائرة الصراع لتطال حتى الأموات، في إطار سعيه لطمس أي أثر يذكّر بتاريخ مقاومته.
خاتمة
في ظل الصعود المتواصل لليمين المتطرف داخل إسرائيل، تبدو خطوات بن غفير جزءاً من محاولة منهجية لإعادة صياغة المشهد السياسي والرمزي في فلسطين المحتلة، عبر محو الرموز العربية وتكريس رواية استيطانية مطلقة. لكن التاريخ يثبت أن مثل هذه السياسات لا تلغي الذاكرة، بل تثبّت حضورها أكثر، وأن قبر القسام – حتى لو تعرّض للهدم – سيظل رمزاً محفوراً في وجدان الفلسطينيين، لا تطمس أثره جرافات الاحتلال ولا عنصرية بن غفير.
اقرأ أيضًا : لوموند: إسرائيل تفرض نظامًا غير مسبوق من الإرهاب في الضفة الغربية