أصدر محمد بن زايد قرارًا مفاجئًا بإعادة تشكيل مجلس أمناء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، متضمنًا إعفاء هند العويس من منصبها، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والحقوقية، وجاءت مباشرة عقب تفجّر ما بات يُعرف إعلاميًا بـ“فضيحة إبستين”، التي كشفت عن تواصل وتنسيق بين العويس ورجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين، وترتيب موعد خاص لشقيقتها هالة العويس معه.

القرار، الذي صدر دون تمهيد إعلامي مسبق، اعتبره مراقبون محاولة رسمية لاحتواء تداعيات سياسية وأخلاقية تهدد صورة الدولة ومؤسساتها الحقوقية، في ظل تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية بشأن معايير النزاهة والاستقلالية.

خلفيات القرار وسياقه السياسي

لم يأتِ قرار إعادة تشكيل مجلس الأمناء في فراغ، بل جاء في سياق حساس تمر به الدولة على مستوى صورتها الدولية في ملف حقوق الإنسان. فخلال السنوات الأخيرة، واجهت الهيئة الوطنية انتقادات متزايدة من منظمات دولية بسبب ضعف استقلاليتها وارتباطها بالسلطة التنفيذية.

ومع تفجر قضية هند العويس، وجدت السلطة نفسها أمام أزمة مركبة: أزمة أخلاقية، وأخرى سياسية، وثالثة تتعلق بالمصداقية المؤسسية. فاستمرار شخصية متورطة في تواصل مع شخصية مثيرة للجدل عالميًا مثل إبستين داخل مؤسسة حقوقية، كان سيُعدّ عبئًا يصعب الدفاع عنه.

ويرى محللون أن القرار يعكس إدراكًا رسميًا لخطورة المرحلة، ومحاولة لتوجيه رسالة مفادها أن الدولة لن تتسامح مع أي سلوك يسيء لصورة مؤسساتها، حتى لو كان ذلك على حساب شخصيات نافذة.

فضيحة إبستين وتورط هند العويس

تفجّرت القضية بعد تسريبات إعلامية ووثائق غير رسمية أظهرت وجود مراسلات بين هند العويس وجيفري إبستين، تضمنت تنسيقًا للقاء خاص جمع الأخير بشقيقتها هالة العويس في إحدى العواصم الأوروبية قبل سنوات.

وبحسب المعلومات المتداولة، لم يكن التواصل عابرًا أو بروتوكوليًا، بل اتخذ طابعًا شخصيًا ومنظمًا، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة العلاقة، ودوافعها، وما إذا كانت ترتبط بشبكات نفوذ أو مصالح غير معلنة.

ورغم عدم صدور اتهامات جنائية مباشرة بحق العويس، فإن مجرد الارتباط باسم إبستين، الذي ارتبط بفضائح الاستغلال الجنسي والابتزاز السياسي، كان كافيًا لإثارة عاصفة من الشكوك والانتقادات.

أزمة الثقة داخل المؤسسة الحقوقية

شكّلت القضية ضربة قوية لمصداقية الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، التي يُفترض أن تكون نموذجًا للنزاهة والشفافية. فوجود شخصية تحوم حولها شبهات أخلاقية داخل قيادة الهيئة، يقوض ثقة المواطنين والضحايا في قدرتها على الدفاع عن حقوقهم باستقلالية.

عدد من الناشطين الحقوقيين اعتبروا أن المشكلة لا تقتصر على شخص هند العويس، بل تكشف خللًا بنيويًا في آليات اختيار القيادات داخل المؤسسات الرسمية، حيث تُقدَّم الولاءات والعلاقات على معايير الكفاءة والسجل الأخلاقي.

كما أشاروا إلى أن غياب آليات رقابة داخلية فعالة سمح باستمرار هذه الشخصيات في مواقع حساسة دون مساءلة حقيقية.

إعادة التشكيل: إصلاح أم احتواء؟

القرار الرئاسي شمل تعيين شخصيات جديدة في مجلس الأمناء، قُدّمت بوصفها “كفاءات مستقلة”، في محاولة لإعادة الاعتبار للهيئة. غير أن مراقبين شككوا في جدية هذه الخطوة، معتبرين أنها قد تكون مجرد إجراء شكلي لامتصاص الغضب.

فحتى الآن، لم تُعلن نتائج تحقيق رسمي مستقل في قضية العويس، ولم تُنشر تفاصيل شفافة حول طبيعة الاتصالات أو مسؤولية الأطراف المعنية. وهو ما يدفع البعض للقول إن الدولة تسعى لإغلاق الملف سياسيًا دون فتحه قضائيًا.

ويرى هؤلاء أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإقالة فرد، بل بإعادة هيكلة شاملة لمنظومة الحوكمة والرقابة داخل المؤسسات الحقوقية.

تداعيات داخلية وخارجية محتملة

على الصعيد الداخلي، من المتوقع أن يؤدي القرار إلى تهدئة مؤقتة للانتقادات، لكنه قد لا ينجح في استعادة الثقة ما لم يترافق مع خطوات عملية ملموسة. أما خارجيًا، فالقضية تضع الدولة تحت مجهر المنظمات الدولية، التي ستراقب مدى جدية الإصلاحات المعلنة.

كما قد تُستغل القضية سياسيًا في تقارير حقوقية دولية مستقبلية، بوصفها مثالًا على تداخل السلطة والمصالح الخاصة داخل مؤسسات يفترض أنها مستقلة.

بين المحاسبة والإدارة السياسية للأزمات

تكشف قضية هند العويس وقرار إعادة تشكيل مجلس الأمناء عن نمط متكرر في إدارة الأزمات: التحرك السريع لإزاحة الوجوه المثيرة للجدل، دون الذهاب بعيدًا في مسار المحاسبة الشفافة.

وبينما يُحسب للسلطة تحركها السريع لاحتواء الأزمة، يبقى السؤال الجوهري: هل سيكون هذا القرار بداية لمسار إصلاحي حقيقي داخل المؤسسات الحقوقية، أم مجرد حل مؤقت لطيّ صفحة محرجة؟

الإجابة ستتوقف على ما إذا كانت الدولة مستعدة لتحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء الثقة، أم الاكتفاء بإدارة الصورة وتجنب الفضيحة، دون معالجة جذور المشكلة.

اقرأ أيضًا : إعلام عبري يكشف استعدادات إسرائيل لتنفيذ قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين وسط انتقادات دولية