في مشهد يتكرر ويزداد خطورة، اقتحم وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، صباح اليوم الأربعاء، المسجد الأقصى المبارك برفقة عشرات المستوطنين وتحت حماية أمنية مشددة من قوات الاحتلال.
يأتي هذا التصعيد الممنهج قبل أيام قليلة من بدء عيد الفصح اليهودي، في محاولة متعمدة لتحويل الأعياد اليهودية إلى مواسم استفزاز واستفحال في التعدي على المقدسات الإسلامية، وفي مقدمتها الأقصى.
هذا الاقتحام هو الثامن من نوعه منذ تولي بن غفير منصبه نهاية 2022، والخامس منذ بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، مما يكشف عن نهج تصعيدي منظم وليس مجرد حادث عابر.

سياسة فرض الوقائع وتوسيع دائرة التهويد
اقتحام بن غفير للمسجد الأقصى ليس فقط تحديًا سافرًا لمشاعر ملايين المسلمين، بل هو تجسيد لسياسة إسرائيلية أوسع تهدف إلى تغيير الوضع القائم في القدس.
إبعاد المصلين الفلسطينيين، وطرد حراس الأقصى، والسماح لمستوطنين يرتدون ملابس تحمل شعارات “حراس الهيكل” بالتجول بحرية داخل الباحات، يؤكد أن ما يجري لم يعد مجرد “زيارة استفزازية”، بل مخطط لإعادة تعريف السيطرة والسيادة داخل الحرم القدسي.
تواجد بن غفير برفقة رئيس منظمة “منهيلت هارهبايت” اليمينية المتطرفة، الحاخام شمشون ألبويم، يكشف عن تحالف بين السياسيين اليمينيين والحاخامات الداعين صراحة لهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم.
هذه التنظيمات لم تعد تعمل في الظل، بل باتت تتحرك تحت غطاء رسمي من أعلى هرم وزارة الأمن الداخلي في إسرائيل.
الأعياد اليهودية كغطاء للانتهاك
يعكس توقيت الاقتحام -قبل أيام من عيد الفصح- نمطًا متكررًا تعتمده سلطات الاحتلال لتحويل المناسبات الدينية اليهودية إلى مبرر لتصعيد الاقتحامات الجماعية للأقصى، وفرض تغييرات على التقسيم الزماني والمكاني للمسجد.
يبدأ عيد الفصح في 12 أبريل ويستمر 10 أيام، وتشهد هذه الفترة عادةً تصاعدًا في الدعوات لذبح قرابين داخل المسجد، في انتهاك صارخ للوضع التاريخي والقانوني.
بن غفير نفسه صرّح علنًا في أغسطس الماضي بنيّته إقامة كنيس داخل المسجد، وقال إن “علم إسرائيل كان يجب أن يُرفع فوق الأقصى” لو نُفذت خططه منذ البداية، وهي تصريحات تكشف عن طموحات تهويدية لم تعد خافية، بل تسير بخطى متسارعة ومدعومة من شخصيات رسمية داخل الحكومة الإسرائيلية الأكثر تطرفًا في تاريخ البلاد.
ردود الفعل وتحذيرات من الانفجار
حركة المقاومة الإسلامية (حماس) اعتبرت الاقتحام تصعيدًا خطيرًا ومحاولة لفرض واقع تهويدي جديد بالقوة، داعيةً الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية لتصعيد المواجهة دفاعًا عن الأقصى.
وهذا الموقف يتقاطع مع تحذيرات واسعة من أن مثل هذه الاقتحامات قد تفجّر الأوضاع، خصوصًا في ظل استمرار الحرب في غزة، وحالة الاحتقان الشديدة التي تعم الضفة والقدس.
الاقتحام يأتي في وقت يُبعد فيه الفلسطينيون عن المسجد الأقصى بالقوة، ويُمنعون من ممارسة شعائرهم الدينية بينما يُفتح المجال للمستوطنين للدخول، والتجول، وأداء طقوس توراتية.
إنها سياسة ممنهجة لتكريس التقسيم المكاني، ثم الزماني، على غرار ما حدث في الحرم الإبراهيمي بالخليل بعد مجزرة 1994.
وفي الوقت الذي تصمت فيه أغلب العواصم العربية والإسلامية، أو تكتفي ببيانات دبلوماسية باهتة، تستمر إسرائيل في المضي قدمًا نحو تهويد القدس، عبر أدوات ناعمة تارة (الاستيطان، القوانين) وأدوات خشنة تارة أخرى (الاقتحامات، الطرد، القمع).
الأقصى في عين العاصفة وسؤال المستقبل
الاقتحامات المتكررة لبن غفير، مدعومة بخطاب متطرف ومشاريع تشريعية، تكشف أن معركة الأقصى دخلت مرحلة جديدة من التصعيد الخطير.
المستوطنون باتوا يعتبرون الأقصى “منطقة مستباحة”، والحكومة الإسرائيلية تُوفّر لهم الغطاء السياسي والأمني الكامل.
يبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى يمكن أن تستمر هذه الانتهاكات دون رد فلسطيني موحّد، أو تحرك عربي وإسلامي حقيقي يرتقي إلى حجم التهديد؟ وهل تسعى إسرائيل، عبر هذه الاقتحامات، إلى اختبار ردود الفعل تمهيدًا لفرض سيادة كاملة على المسجد الأقصى، في سابقة تهزّ أحد أهم الرموز الدينية في العالم الإسلامي؟
ما يجري اليوم ليس مجرد اقتحام عابر، بل خطوة محسوبة في مشروع أوسع لتغيير هوية القدس والسيطرة الكاملة على مقدساتها.
اقرأ أيضًا : مجازر رفح والنصيرات.. الموت ينهش غزة والمخابز مغلقة والمجاعة تطرق الأبواب وسط صمت عربي مخزٍ