مع حلول فجر الأربعاء، ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي مجازر جديدة بحق المدنيين في قطاع غزة، حيث استهدفت غارات جوية عنيفة منازل مكتظة بالنازحين في رفح والنصيرات، لتضاف إلى سجل طويل من الفظائع اليومية التي ترتكبها آلة الحرب الإسرائيلية ضد شعب أعزل.

المتحدث باسم الدفاع المدني الفلسطيني، محمود بصل، أعلن عن استشهاد 13 شخصاً على الأقل، غالبيتهم من الأطفال والنساء، إثر قصف استهدف منزلاً في وسط خان يونس، فيما أسفرت غارة أخرى على منزل في مخيم النصيرات عن استشهاد شخصين إضافيين، ليرتفع عدد الضحايا إلى 15 شهيداً في أقل من ساعة.

المجازر لم تتوقف عند هذا الحد، بل طالت أيضاً المسجد الإندونيسي المدمر سلفاً، في مشهد يكرّر السيناريو الوحشي نفسه: قصف، دمار، وصرخات تنزف من تحت الأنقاض، في ظل غياب تام لأي ردع أو محاسبة دولية.

تدمير المساجد بات سلوكاً ممنهجاً، كما حدث قبل أسبوع مع مسجد عماد عقل في حي الزيتون، الذي استهدفته الطائرات الحربية ودمرته بالكامل، ما أدى أيضاً إلى تضرر واسع في منازل المدنيين المحيطة به. 

المشاهد المصوّرة التي وثّقت لحظة القصف انتشرت كالنار في الهشيم، لتفضح أمام العالم عدوانية الاحتلال وتجرده من أي قيم إنسانية أو التزام بالقانون الدولي.

هدم المقدسات وتجويع المدنيين: أدوات الاحتلال لتركيع غزة

المجازر الدموية تترافق مع جرائم لا تقل بشاعة، إذ تتعمّد سلطات الاحتلال استهداف الرموز الدينية والمقدسات في محاولة ممنهجة لتحطيم الهوية الدينية والوطنية للفلسطينيين. 

وزارة الأوقاف الفلسطينية كشفت مؤخراً عن أرقام صادمة توثق هذا الإجرام: 815 مسجداً تم تدميرها بالكامل، و151 بشكل جزئي، و3 كنائس تعرضت للاستهداف المباشر في مدينة غزة.

كما لم تسلم المقابر من عبث الاحتلال، حيث تم تدمير 19 مقبرة ونبش القبور وإخراج الجثث منها، في انتهاك فجّ لحرمة الموتى.

وفي الضفة الغربية، يستمر الاحتلال في السماح لعصابات المستوطنين المتطرفين باقتحام المسجد الأقصى وتدنيس ساحاته، حيث سجلت الوزارة 256 اقتحاماً خلال العام الماضي فقط. 

هذا السلوك لا يُمكن وصفه إلا بأنه محاولة لتغيير الواقع الديني والسياسي في فلسطين بالقوة، وسط صمت دولي وغياب تام لأي تدخلات دولية حقيقية لوقف هذا العبث.

في الوقت ذاته، تعيش غزة على شفا كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث أعلن عن إغلاق جميع المخابز في جنوب القطاع نتيجة نفاد الوقود والمواد الأساسية. 

الأمم المتحدة وصفت الادعاءات الإسرائيلية بشأن إدخال مساعدات كافية بأنها “سخيفة”، مؤكدة أن “إسرائيل تستخدم الغذاء كسلاح” ضد سكان غزة، في سياسة واضحة لتجويع الفلسطينيين وفرض الاستسلام عليهم.

ومع توقف عمل المخابز وتراجع حاد في الإمدادات الغذائية، بات خطر المجاعة يطرق الأبواب بقوة، خاصة مع وجود مئات الآلاف من النازحين والمرضى دون غذاء أو دواء.

تواطؤ وخيانة.. حكام العرب يتفرجون على الجريمة بصمت مريب

ما يجري في غزة ليس مجرد عدوان عسكري، بل هو تطهير ممنهج وإبادة جماعية تُنفذ على مرأى ومسمع من العالم، ولكن الأكثر إثارة للغضب هو موقف الأنظمة العربية التي تواصل تواطؤها بالصمت، إن لم يكن بالتطبيع والدعم غير المباشر.

أين صوت جامعة الدول العربية؟ وأين تحرك القمم الطارئة؟ بل أين هم أولئك الذين صدّعوا رؤوس شعوبهم بالشعارات الزائفة عن “التضامن مع فلسطين”؟ الحقيقة أن حكام العرب انشغلوا بتأمين مصالحهم الضيقة، وتركوا غزة تواجه المجازر وحدها، دون غطاء سياسي أو دعم إنساني حقيقي.

بعض الأنظمة، كالسعودية والإمارات، انشغلت بتوسيع علاقاتها مع الاحتلال الإسرائيلي، حتى في ذروة المجازر، بينما فضّلت أخرى، كمصر، الاكتفاء ببيانات باهتة لا ترقى إلى مستوى الجريمة، بل تمنح الاحتلال مزيداً من الوقت لاستكمال مخططه.

أما فتح المعابر وإدخال المساعدات، فقد بات رهينة التفاهمات الأمنية لا الاعتبارات الإنسانية، وهو ما جعل الفلسطينيين يشعرون أنهم محاصرون من الاحتلال من جهة، ومن الأشقاء من جهة أخرى.

إن ما تحتاجه غزة اليوم ليس فقط مساعدات غذائية أو مواقف عاطفية، بل تحركاً سياسياً قوياً وموحداً يفرض وقف العدوان ورفع الحصار، ويعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية في وجدان الأمة.

أما الاستمرار في سياسة الخذلان، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الضحايا ومزيد من الغضب الشعبي، الذي قد ينفجر في وجه الحكام قبل أن ينفجر في وجه الاحتلال.

خاتمة: غزة تنزف.. ولا بد للشعب أن ينتصر

أمام هذه الكارثة الإنسانية والسياسية، لا يمكن للضمير العالمي أن يواصل النوم، ولا يمكن للعرب أن يتنصّلوا من مسؤولياتهم.

المجازر المستمرة في رفح والنصيرات، وتجويع غزة حتى الموت، ليست سوى فصل من فصول نكبة مستمرة.

لكن غزة، التي اعتادت الصمود وسط الرماد، لن تنكسر بسهولة. ففي كل بيت مهدوم، يولد وعي جديد، وفي كل شهيد، تشتد جذوة المقاومة، وفي كل مجاعة، تُولد إرادة الحياة.

فهل يصحو الضمير العربي؟ أم أن دماء غزة ستظل تصرخ في وادٍ لا حياة فيه؟

اقرأ أيضًا : أكثر من 80 شهيداً خلال 48 ساعة: مجازر غزة مستمرة والعالم صامت