أشعل وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير جدلاً واسعاً بعد مطالبته العلنية بهدم قبر الشيخ الشهيد عز الدين القسام، أحد أبرز رموز المقاومة الفلسطينية، الموجود في بلدة نيشر المُقامة على أنقاض بلدة الشيخ الفلسطينية المهجّرة في قضاء حيفا.
خلال جلسة استماع في لجنة الداخلية بالكنيست، أعلن بن غفير أنه أصدر أمراً للشرطة بتنفيذ عملية الهدم وتأمينها، مضيفاً بلهجة استفزازية: “لا يمكن للإرهابيين أن يرتاحوا حتى في الموت”، في إشارة إلى إصراره على محو أي أثر لرموز النضال الفلسطيني من المشهد العام.
هذه التصريحات تأتي في سياق أوسع من سياسات إسرائيلية ممنهجة تستهدف ليس فقط الأحياء من الفلسطينيين، وإنما حتى تاريخهم وذاكرتهم الجمعية، عبر محو المعالم والمقابر التي ترمز إلى مقاومتهم للاستعمار والاحتلال.

القسام: مقاوم أرّقهم حياً وميتاً
الشيخ عز الدين القسام، المولود عام 1883 في مدينة جبلة السورية، لم يكن مجرد رجل دين، بل كان قائداً ثورياً قاد حركات مقاومة مسلحة ضد الاحتلال الفرنسي في سوريا، ثم ضد الاحتلال البريطاني في فلسطين. وبعد انتقاله إلى الأراضي الفلسطينية في عشرينيات القرن الماضي، شكّل خلايا فدائية لمواجهة الانتداب البريطاني والعصابات الصهيونية الناشئة.
استشهد القسام في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 1935، في معركة بطولية قرب جنين، لكن استشهاده لم يُنهِ تأثيره، بل تحوّل إلى أيقونة للمقاومة الفلسطينية والعربية. لاحقاً، أطلقت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) اسمه على جناحها العسكري ليصبح “كتائب الشهيد عز الدين القسام”، في تكريم لإرثه وإشارة إلى استمرار نهجه النضالي.
هذا الإرث جعل اسمه محفوراً في الوعي الفلسطيني، ومصدراً للإلهام للأجيال المتعاقبة، وهو ما يفسر إصرار قادة الاحتلال على محوه من أي حضور رمزي، حتى لو كان مجرد قبر.
استهداف متكرر للقبر ومعناه السياسي
ليست هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها قبر القسام لتهديد بالهدم أو الإزالة. ففي 6 أغسطس/آب الجاري، طالب النائب اليميني المتطرف إسحاق كروزر، من حزب “القوة اليهودية” الذي يقوده بن غفير، بإزالة القبر نهائياً، معتبراً إياه “مزاراً لمؤيدي الإرهاب”. وقبل ذلك بشهر، زار كروزر الموقع ودعا لاتخاذ إجراءات فورية لإزالته.
هذا الإصرار السياسي على استهداف قبر القسام يعكس بعداً أعمق من مجرد قضية أمنية أو بلدية، فهو مرتبط برغبة أيديولوجية لدى التيار الصهيوني المتطرف في إعادة كتابة التاريخ، وطمس الرموز التي تجسد فكرة المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، بما يخدم مشروع “إسرائيل الكبرى” وروايتها الرسمية.
كما أن هذه الخطوة تتماشى مع نمط أوسع من محو المعالم الفلسطينية، من تدمير القرى المهجّرة، إلى تغيير أسماء الأماكن، وصولاً إلى استهداف المقابر والمقدسات الإسلامية والمسيحية في الداخل الفلسطيني.
دلالات رمزية ومعركة على الذاكرة
يمثل قبر عز الدين القسام أكثر من مجرد مدفن لقائد تاريخي، فهو رمز لهوية نضالية تربط الماضي بالحاضر. بالنسبة للفلسطينيين، محاولة هدم القبر هي اعتداء على الذاكرة الجمعية ومحاولة لقطع الصلة بين الأجيال المتعاقبة وإرثها المقاوم.
من منظور الاحتلال، فإن أي رمز قادر على تحفيز الروح النضالية يعد تهديداً يجب القضاء عليه، حتى لو كان صامتاً في باطن الأرض. هذه العقلية تعكس أزمة عميقة في قدرة المشروع الصهيوني على التعايش مع وجود رواية فلسطينية موازية، حيث يرى في استمرار هذه الرموز خطراً على شرعية وجوده وروايته التاريخية.
في المقابل، يرى الفلسطينيون والعرب أن استهداف القسام بعد قرابة 90 عاماً على استشهاده دليل على أن تأثيره لم يبهت، وأنه لا يزال “يرهقهم حياً وميتاً”، كما يصفه كثيرون.
تداعيات داخلية وخارجية
تصريحات بن غفير قد تؤجج التوترات داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، خاصة في مدينة حيفا والمناطق المجاورة التي تضم مجتمعاً عربياً فلسطينياً واسعاً يرى في القسام أحد أعمدة تاريخه الوطني. ومن المتوقع أن تواجه هذه الخطوة موجة من الرفض الشعبي والحقوقي، وربما دعوات لتحركات احتجاجية لحماية القبر ومنع المساس به.
خارجياً، قد تثير هذه الخطوة انتقادات من منظمات حقوقية دولية، على اعتبارها انتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية التي تحمي الأماكن الدينية والمقابر التاريخية، إضافة إلى كونها تصعيداً في سياسات التمييز العنصري ضد الفلسطينيين.
خاتمة: إرث لا يُمحى
رغم ما يملكه الاحتلال من أدوات قوة، تبقى محاولاته لطمس الرموز الفلسطينية محكومة بالفشل أمام قوة الذاكرة الشعبية. فالقسام الذي سقط شهيداً قبل نحو قرن، ما زال حاضراً في خطاب المقاومة وأدبياتها، من غزة إلى الشتات، واسمه لا يزال يثير القلق في أروقة السياسة الإسرائيلية.
إن إصرار بن غفير وحلفائه على هدم قبره ليس سوى تأكيد على أن إرث هذا القائد لا يزال يشكل مصدر إلهام للمقاومين، وهاجساً يلاحق الاحتلال حتى بعد الموت. وفي معركة الذاكرة، كما في معركة الأرض، يظل السؤال مطروحاً: هل يمكن لمجرفة الهدم أن تدفن فكرة؟
اقرأ أيضًا : القسام تكثف هجماتها.. ضربات دقيقة لمواقع قيادة الاحتلال في غزة ورفح